تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4826

مساهمون:

ص٤٨٢٦
التوضيح بعد الإبهام فضل توكيد للمعنى ، وزيادة في الترهيب بالإشارة إلى أن الاقتراب منهم . ويلاحظ أن الاقتراب يتعدى ب « إلى » ، فيقال : اقترب إليه ، وب « من » فيقال : اقترب منه ، فلما ذا كان التعدي في الاقتران باللام ؟ ونقول في الجواب عن ذلك : إن التعدية ب « إلى » أو « من » ربما تدل على المحبة والمودة ، وهما لا يصلحان في هذا المقام ، فالاقتراب اقتراب مدة لا قرب رفق ومودة ، ويقال في قرب المبارزة ، اقترب المبارز لخصمه ، ولا يقال اقترب إليه أو منه ؛ ولأن « اللام » تفيد الاختصاص ، فالاقتراب للحساب يخصّهم ويملكهم . وقال تعالى :
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
الجملة حالية ، وقد وصفوا فيها بوصفين : الأول : أنهم في غفلة عن هذا الحساب إذ هم لا يؤمنون بالبعث بسبب غشاوة جاءت على أعينهم ، وقلوبهم غلف ، فهم غافلون عن ذلك اليوم مأسورون بالحسّ ، لا يعرفون ما وراءه ، وأول مظاهر اليقظة النفسية تعرّف ما وراء الحس ، فيتساءلون لما ذا خلق الإنسان وما غايته ؟ وما نهايته ؟ ويدركون أنه لم يخلق عبثا ، وهذا فرق ما بين الإنسان والحيوان . فهم في غفلة عن هذا ، وإذا جاء مذكر موقظ لعقولهم من رسول أو نبي أعرضوا عنه ، فكان في أوصافهم أمران أولهما : غفلة نفسية لا تدرك بذاتها ، والثاني أنهم إذا جاء من يذكرهم أعرضوا عنه ونأوا بجانبهم ، وقال تعالى :
مُعْرِضُونَ
بالوصف يدل الفعل للإشارة إلى أن الإعراض ملازمهم ملازمة الغفلة لهم ؛ ولذا قال سبحانه وتعالى بعد ذلك :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
( 3 ) . الذكر هنا هو الرسول المذكّر ، وعبر عن الرسول بالذكر ؛ لأنه عمله ورسالته ، فعبر عنه بأخص أوصافه ، كما قال تعالى :
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ
( 21 ) [ الغاشية ]