تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4825

مساهمون:

ص٤٨٢٥
سببه الغفلة عن ذكر الله وعدم إدراك معاني التوحيد ، والإعراض عن دعوات التوحيد التي تجددت الدعوة إليه على لسان كل نبي من الأنبياء الذين بعثوا إلى الناس عصرا بعد عصر ، حتى جاء خاتم النبيين محمد صلى اللّه عليه وسلم . والناس في قوله تعالى :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ
قيل عن ابن عباس رضي الله عنه إنهم المشركون ؛ لأنهم الذين غفلوا عن يوم البعث ، وأعرضوا عما دعا إليه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن الظاهر أنهم الناس كافة الذين توالت عليهم النذر وخصوصا غير المؤمنين في أي جيل من الأجيال ، بدليل ما تجىء به الآية بعد هذه الآية من قوله تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
. وقوله تعالى :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ
نقول : إن معنى الاقتراب تأكّد الوقوع كقوله تعالى :
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
( 1 ) [ القمر ] إذ إن كل أمر مؤكّد الوقوع يصح أن يقال عنه إنه مقترب ، وإن الأزمان بالنسبة للقرب والبعد عند الله سواء ، فالقرب والبعد بالنسبة للحوادث لا بالنسبة إلى واجب الوجوب ، ورب البرية ، ولأن هذه الآية نزلت على محمد صلى اللّه عليه وسلم وقد كان مبعثه على قرب من القيامة ، كما روى عنه أنه قال : « بعثت في نسم الساعة » « 1 » و ( اقترب ) : صيغة افتعال من ( قرب ) وهي تدل على شدة الاقتراب ، واقتراب الحساب هو اقتراب الساعة التي يكون فيها الحساب وعبر عنها بالحساب ؛ لأن الحساب كما أشرنا هو الفصل بين الخلائق يوم القيامة لأنه هو الذي يعين مصائرهم ، إما إلى الجنة أبدا وإما إلى النار أبدا ، فذكرت القيامة بأعظم ما فيها ، وهو ما يحدد مآل الناس ، ولأن ذكره فيه ترهيب للناس وتنبيه لهذا اليوم الذي تجزى فيه كل نفس ما كسبت ، فذكره تنبيه للغافلين . والتعدية باللام في قوله تعالى :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ
إنها لتوكيد الحساب ، وتنبيه الأفهام ، وتقدير القول : اقترب حساب الناس ، فكأن النص السامي أبهم الحساب ، بأن الاقتراب للناس ، ثم بين أنه ليس لذواتهم ، بل لحسابهم ، وفي
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم في الكنى ، والبزار عن أبي جبيرة رضي الله عنه . الفتح الكبير ( 5154 ) ، ومجمع الزوائد ( 13281 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 4825 | محمد أبو زهرة