تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4800

مساهمون:

ص٤٨٠٠
أي أنه ذكر هذه الكفاية ، وهي الطعام والكسوة والشراب والمسكن بصيغة النفي ؛ لأن عدمها هو موضع التحذير والمنع ، ولأن عدمها هو الشقاء في الجنة ، وقد نفى بذلك أنه لا يشقى في الجنة إنما الشقاء في غيرها ، وإبليس العدو يعمل على شقائكما وكدحكما ، إذ أخرجكما من الجنة فلا تطيعاه ، وقد أشرنا إلى أن هذه الأمور يجب أن تكون مطلبك يا آدم ، وإن في طلب غيرها التناحر على البقاء ، ومعه الشقاء ، وهذه موعظة لمن أراد جنة الدنيا دون شقائها . وفي الآيتين من أساليب البيان ، فذكر المطلب الأساسي الإنسانى
إِنَّ لَكَ
مؤكدا أن له الأكل والكسوة والشراب والمأوى ، هذا لك وحده ليس لك غيره ، وفي الجنة ، ويجب الاقتصار عليها في الحياة التي تستقبلك . ولقد جاء إبليس إليهما من وراء هذه الأمور ، وهو الخلد .
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى
( 120 ) . كان نعيم الجنة نعيما هادئا آمنا ، ولكن لم يذكر أنه خالد ، ومن كان في عيشة راضية تمنى أن تكون باقية ، فجاء إبليس من ناحية هذه الأمنية ، وقال لآدم : هل أدلك على شجرة الخلد ، وملك لا يبلى ، وسوس إليهما بقول خفى يشبه وسوسة الذهب « 1 » ، وأثار التمني في نفسه بقوله :
هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ
الاستفهام هنا للتنبيه أي أن هذه الشجرة التي نهى عن الأكل منها هي شجرة الخلد من أكل منها نال الخلود والبقاء والسلطان والسيطرة ، وهذا هو المعنى المذكور في آية أخرى ، إذ قال الله تعالى عنه :
. . . ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ
( 20 ) [ الأعراف ] ، وما زال بهما يغريهما بالأكل حتى أكلا ، ولقد قال تعالى :
وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 21 ) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ . . .
( 22 ) [ الأعراف ] فكان التدلي بالغرور أن أكلا منها ، وكانت العاقبة ليست الحسنى ، ولذا قال تعالى :
فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
( 121 ) .
هامش
( 1 ) الوسوسة والوسواس : الصوت الخفي من ريح . والوسواس : صوت الحلي . لسان العرب - وسس .