البشرية في هذا الوقت الذي نسب الله تعالى إليه أنه نسي ، ولم يجد له عزما ، كان وهو على الفطرة الأولى التي لم يكن فيها شرائع مدونة قد جاء بها رسل ، ولم يكن قد تسلط عليه إبليس اللعين ، وتسلط على ذريته ، وكل هذا التسلط منه على ذرية آدم بعد أن هبط من الجنة إلى الأرض .
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ
، أي من قبل الشرائع والرسل ، أي من قبل أن يقع ، والمعنى عهد الله تعالى لآدم قبل أن يوسوس إليه الشيطان ، وهذا العهد هو أمر الله وتكليفه ، وإن لم يكن في دار تكليف ، وكل أمر من الله تعالى هو عهد بين العبد وربه ، وذلك العهد هو قوله تعالى :
. . . وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
( 35 ) [ البقرة ] ، ولقد بين الله تعالى أن ذلك عهد مؤكد ، وقد أكده سبحانه ب « اللام » ، وب « قد » ، وبإضافة العهد إليه سبحانه وتعالى ، وأنه وثق على آدم أشد توثيق ، ولقد ذكر سبحانه وتعالى وصفين لآدم أحدهما إيجابي ، والثاني سلبى ، أما الأول فهو النسيان فقد قال :
فَنَسِيَ
« الفاء » للعطف .
ونسي منصبة على العهد ، أي فنسى العهد ، ووقع في المحظور الذي حذره منه ، وليس ذلك ما يكون غضاضة على آدم ، لأن الله تعالى يصف الطبع الإنسانى ، وأنه يعرض له النسيان وتعرض له الغفلة ، وما يقع في ما ينهى عنه إلا وهو ناس غافل ، الأمر الثاني ، وهو السلبي ذكره سبحانه وتعالى بقوله :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
، أي عزيمة صادقة تحزم أموره وتقطعها ، وعبر سبحانه بهذا القول :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
في الأمر الواقع ، والله تعالى يعلم به من قبل أن يقع ، فقد قدر الله تعالى كل ذلك ، وعلم ما وقع قبل وقوعه فكيف يقول :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
وهو الذي خلقه وصوره وقدره ، ونقول : إنه وجده واقعا ، وهو يعلم علما أزليا لأنه هو الذي خلق وصور .
وإن إبليس وذريته يجيئون إلى ذرية آدم ، من نسيانهم وغفلتهم ، ونقص عزيمتهم ، كما جاء إبليس اللعين إلى أبى الإنسانية من جهة نسيانه ، وأنه لم يكن له عزم مانع ، فليحذر الناس بعد أن جاءتهم الشرائع من وسوسة إبليس وذريته .