لله تعالى فكل صوت انخفض ، وكل جهارة في القول ، والخضوع
لِلرَّحْمنِ
، وهو القهار في ذلك اليوم ، ووصف بالرحمة لأنه يوم العدل ، والعدل هو الرحمة ، فكل يأخذ حقه ، ويؤدى ما عليه ، ويحاسب على ما قدمت يداه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، إذا كان ذلك الخشوع خشية من الرحمن العادل
فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
، إلا صوتا خفيّا ، وقالوا : إنه صوت وقع الأقدام فلا حديث ولا كلام هلعا وفزعا .
وكل إنسان مقدم على أمر أحس بخطورته ، وقد اعترته هيبة اللقاء ، وأحس بالحساب ولا يدرى ما الله فاعل به ، فالأبرار يستقلون حسناتهم ، ويعدون أخطاءهم كبائر ، والأشرار يعروهم الإحساس بآثامهم وعظم ما ارتكبوا ، ويجدون عملهم محضرا ، ويعانون ما أنكروه من قبل ، وهو البعث والحساب .
يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا
( 109 ) .
« إذ » في
يَوْمَئِذٍ
تشير إلى يوم ينفخ في الصور ، ويكون البعث المراد يوم الحساب ، يجئ كل إنسان ومعه أعماله مسجلة عليه في كتابه قد سجلت حسناته ، وسجلت سيئاته ، وجوارحه تنطق بما اكتسبت من آثام وتحوطه السيئات ويحاسب على ما عمل ، ولا شفيع يشفع ولا فدية تدفع
إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا
، وهذه الشفاعة تكريما للشافع وليست استنزالا لعقاب ، أو زيادة في ثواب ، فالله سبحانه يعلم الجزاء حق العلم وإنما هي إظهار لكرامة الكرماء عند الله العزيز الحكيم ، الذي علم كل شئ فقدره تقديرا وما قدره في علمه واقع لا محالة ، فإن كان بشفاعة شفيع وقع ما كتب على أنه استجابة لشفاعة اختص بها كريما مكرما .
فالشفاعة بالإذن ، ويقال للشفيع اشفع تشفع ، فهي لا تكون إلا بإذن من الله ولا تكون إلا لمن
وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا
، كما قال في آية أخرى ،
. . . إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى
( 26 ) [ النجم ] .
وقوله تعالى :
إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا
كأنه لا بد من شرطين لقبول الشفاعة وهو إذن الله تعالى ، ولا يكون الإذن إلا من مرضى القول مقبول ، لأنه تكريم من الله عزّ وجل لأجل الاستقامة ، والعدالة في القول ، فلا يشفع لأثيم ،