تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4788

مساهمون:

ص٤٧٨٨
وتكون قاعا صفصفا ، ووضح سبحانه وتعالى :
لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً
العوج : التعوج . والأمت : التلال الصغيرة ، أي تصير الأرض بعد نسف جبالها مستوية لا انخفاض فيها ولا ارتفاع ، ويفسر ابن عباس العوج بالميل ، والأمت الأثر ، وروى عنه أنه قال العوج الوادي والأمت الرابية ، وكلها معان متقاربة ، وتنتهى جميعها إلى أن الأرض تصير مستوية على نسق واحد ، لا تعرف فيها واديا ولا رابية ، ولا جبلا ولا تلا ، فكل ما كان من فروق تفرق بين أجزائها تزول وتبقى شيئا واحدا ، وذلك تمهيد لزوال كل الفروق الذي تكون بين الأشخاص إلا أن يكون عملا صالحا ، فإنه يعلى صاحبه ، أو عملا سيئا فإنه يحطه ويرديه . ويجب أن ننبه هنا إلى أمر ذكره الزمخشري فإنه قرر أن « العوج » بكسر العين يكون في المعنويات أو ما لا يعرف إلا بالنظر والمقايسات ، و « العوج » بفتح العين ما يكون في الحسّيات ، ولكنه عبر هنا بما يدل على المعنويات ؛ وذلك ليكون النفي شاملا لكل ما يكون علوا ، ولو كان العلو لا يعرف بالنظر المجرد ، بل يعرف بالقياس وميزان الماء ، فهذا العوج وإن كان في الحسيات لم يعرف بالمقاييس والموازين العقلية . قال تعالى :
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
( 108 ) ، أي يومئذ وقت نسف الجبال وأن تكون الأرض قد استوت ، ليس بها بناء ، ولا ديار ولا حجر ولا مدر ، ولا قيعان ملساء ، ولا نبات ولا شجر ولا عوج ولا أمت ، في هذا اليوم وفي ذلك الوقت يدعو الداعي فتكون الإجابة من غير اعوجاج كما أن الدعوة لا اعوجاج فيها ، فالضمير في
لَهُ
يعود إلى الداعي ، والداعي هو ملك وكّل إليه أمر دعوة الخلق التي يكون بها البعث ويستجيب لها الجميع من غير تلكؤ مسارعين مستجيبين ، ونفى العوج عن الداعي باعتبار أن دعوته مستقيمة لا استثناء فيه ، وعن المدعوين أيضا باعتبار أن استجابتهم مستقيمة ، لا عوج فيها ويستجيبون سائرين في خط مستقيم لا التواء فيه ، فالدعوة حاسمة والاستجابة لا عصيان فيها ،
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ
أي خضعت وبدت فيها الاستكانة والخضوع