تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4785

مساهمون:

ص٤٧٨٥
أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب ؛ لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق العيون ، ولذلك قالوا في صفة العدو أسود الكبد ، أزرق العين . ولعل وصف الزرق بالعمى أقرب من ذلك القول ، ولا نحسب أن وصفهم بزرق العيون ذما جيدا في ذاته . ونحن نقول إن القرآن الكريم لم يجعل
زُرْقاً
وصفا للعيون ، ولكنه وصف لأجسامهم ، ولا شك أن وصفهم بأنهم زرق في أجسامهم ووجوههم وصف لهم بالهلع والفزع ، وهو المقصود ، فهم هلعون فزعون من هول ذلك اليوم الشديد ، والزرقة أقرب إلى السواد ، فهي أدلّ على الفزع ، ومعناه أنهم يجيئون سودا ، ويتحقق قوله تعالى :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ . . .
( 106 ) [ آل عمران ] . ويقول سبحانه :
يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً
( 103 ) . الخفت : خفض الصوت ، و
يَتَخافَتُونَ
: يتبادلون الصوت الخافت الذي يكون بين الجهر والإسرار والنجوى ، فهو ليس إسرارا ولا نجوى ، ولكنه إعلان في خفت ، وهذا التخافت من الهلع والفزع ، فإن المفزوع الخائف الهالع يكون كلامه خفيضا من شدة فزعه ؛ إذ لا يستطيع أعلى منه ، ولأنه يحسب أنه محسوب عليه قوله . واللبث المتحدث عنه في أي حال هو ، أهو اللبث في الحياة الدنيا ، أم اللبث في القبور بين الموت والبعث ؟ اتجه كثيرون من المفسرين إلى أنه اللبث في الحياة الدنيا مستمتعين بلذائذها وزينتها وزخارفها ، فإنهم يحسبونه زمنا قليلا ويجتمع عليهم ألمان : ألم بشعور قلة متاعهم في الدنيا ، والألم الثاني طول عذابهم في الآخرة ، أي أنهم يدركون أن الدنيا متاع قليل بجوار عذاب الآخرة الطويل ، ومهما تكن حالهم فإنهم يستقلون متعتهم التي يحاسبون فيها بجوار الشقاء الذي يلقونه في دار الجحيم التي يخلدون فيها ، ويزكى هذا قوله تعالى :
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ( 112 ) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ
( 113 ) [ المؤمنون ] .
زهرة التفاسير — صفحة 4785 | محمد أبو زهرة