ذهب عليه السلام إلى النار فلم يجد الهداية إلى الطريق الحسى ، ولا الخبر الذي يتعلق بعيشه في هذه الأرض ، بل وجد الطريق إلى الهداية والحق ، وجد ربه :
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً
( 12 ) ، أي فلما أتى النار نودي ، والنداء كان
يا مُوسى
، وكان النداء ب « يا » التي تكون نداء للبعيد ، البعد بين صاحب النداء جل جلاله ، وعبد من عباده هو موسى عليه السلام ، وقد شرفه الله تعالى بهذا النداء الكريم من رب البرية ، وشرفه بأن ذكر اسمه وفيه من المحبة ، إذ هو نداء الله الرحمن الرحيم إلى حبيب من أصفيائه المخلصين
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
قرئ بفتح الهمزة في
إِنِّي
وقرئ بالكسر « 1 » ، ويكون الفتح تفسيرا للنداء أي النداء أنا ربك ، وعلى القراءة الكسر يكون النداء متضمنا معنى القول ، و « إن » تكسر بعد القول .
وقد أكد ضمير المتكلم ، وهو ياء المتكلم بتأكيدين أولهما : « إنّ » المؤكدة ، وثانيهما الضمير الظاهر
أَنَا
المؤكّد لياء المتكلم ، وكان التأكيد لغرابة المؤكّد في ذاته ، ولغرابته على موسى عليه السلام ، أما الغرابة في ذاتها فهو أنه من أغرب الغرائب أن يكلم اللّه أحدا من عباده ، فقد يوحى إليه ، أما أن يكلمه فذلك أمر غريب لم يكن به عهد حتى عند الأنبياء ، وأما الغرابة بالنسبة لموسى فهو أنه خرج من مصر هاربا من مظالم فرعون وقهره ، وفرضه على الناس عبادته حتى يقول لهم ما لكم من إله غيرى ، وقد خرج محتاجا يقول :
. . . رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
( 24 ) [ القصص ] ، ثم مأجور يزرع ويرعى الغنم ، ولكنه يفاجأ بأن يخاطبه ربه من وراء حجاب ، ولذا كان التأكيد في موضعه ليأنس بربه وتذهب عنه وحشة الاغتراب ، وربك : معناه الذي خلقك ، وربّك ، وأقامك ، وقام على رعايتك والعناية بك .
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
« الفاء » فاء الإفصاح ، وهي تفصح عن شرط مقدر ، أو هي تفيد أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ، فإنه يترتب على أنه في الحضرة
هامش
( 1 ) بفتح الهمزة : ابن كثير وأبو عمر ، وأبو جعفر المدني عن يزيد ، وقرأ الباقون بكسر الهمزة . غاية الاختصار :
2 / 567 .