هو الذي يناسب نفى النسيان في قوله بعد ذلك :
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
« فعيل » من « نسي » ، أي ناسيا نسيانا شديدا حتى يترك نبيه ، وقد أرسله لبيان شريعته ، والدعوة بقرآنه الحكيم الذي هو تنزيل من حكيم حميد .
وقد ذكر الملائكة قدرة اللّه تعالى ، وأنه هو الملك للملائكة والإنس والجن ، فقالوا كما حكى اللّه تعالى عنهم :
لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ ،
له ما مضى من أمرنا لا يعلمه سواه ، وله ما بين أيدينا مما هو مبهما ، وما خلفنا مما تركنا ، وما بين ذلك هو حاضرنا ، وملكيته سبحانه لحاضرنا ، وهو ما بين ملك المتصرف العالم علما محيطا .
وقد بين سبحانه وتعالى ملكه للسماوات والأرض فقال :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
( 65 ) .
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو رب السماوات والأرض الذي يملك كل شئ ما بين أيدينا وما خلفنا ويعلم كل خلقه ، هو رب السماوات ورب الأرض ورب ما بينهما من فضاء ، وإذا كان هو الرب الخالق لكل شئ ولا خالق سواه فإنه وحده الذي يستحق العبادة ، ولذا قال تعالى :
فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ
، و « الفاء » لترتيب ما بعدها على ما قبلها ؛ لأنه إذا كان الخالق القائم بحق الربوبية ، الحي القيوم فهو وحده المستحق للعبادة ، ولكن هذه العبادة لا يستقيم لها الإنسان وسط الأهواء والأوهام ، وما يألف الناس من عبادة الأحجار والأشخاص ليس الطريق الإنسانى إليها معبدا ، ولذلك كان المؤمن يحتاج إلى صبر فقال تعالى :
وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ
أصل اصطبر « اصتبر » قلبت تاء الافتعال طاء لقرب التاء من الطاء ، ومعنى الافتعال هنا الصبر ، وتحمل ما يكلفه النفس من جهود ، ونبه سبحانه إلى أنه لا مشابه له من الحوادث ، فقال :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
، أي شبيها ، والاستفهام للإنكار بمعنى النفي ، أي لا تعلم له شبيها فهو