تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4673

مساهمون:

ص٤٦٧٣
« أو » الواو عاطفة ومقامها التقديم وأخرت ؛ لأن الاستفهام له الصدارة ، والاستفهام هنا إنكاري بمعنى إنكار الواقع ، وإنكار الواقع توبيخ ، أي : أيقول ذلك ، ولا يذكر أنه خلق ولم يك شيئا ، فهو توبيخ على هذا النسيان الذي ينسى أصله ، وكيف تكوّن ، ولا ينسيه إلا الشيطان ، وأظهر الإنسان ، وكان مساق القول ألا يظهر ، وذلك لانصباب التوبيخ عليه ، ولتأكيد النسيان الذي هو طبيعة في الحياة الإنسانية ، إذ هي تنسى ما يغيب عنها ولا تذكر ، ولقد قال اللّه تعالى في مساق التوبيخ :
أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً
، أي لا وجود له ، ولا شك أن الخلق من غير صورة وابتداء الإنشاء من طين وتصويره نطفة فعلقة فمضغة مخلقة وغير مخلقة . . أصعب من إعادته مصورا يمر على هذه الأدوار التكوينية ، بل كان بمجرد قوله كن فيكون ، وبمجرد النفخ في الصور ، وقد قال تعالى :
. . . كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
( 29 ) [ الأعراف ] وإن جمع الأجزاء المتناثرة أقل صعوبة من إنشائها وإبداعها ، قال تعالى :
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ . . .
( 51 ) [ الإسراء ] . ولقد أكد اللّه البعث بالقسم برب الوجود مضافا إلى سيد الوجود ، فقال :
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
( 68 ) . أقسم بذاته العلية الكريمة مضافا إلى نبيه ؛ بيانا لإعزازه وإعلانه وتكريمه ، وكان القسم بالذات العلية بعنوان الربوبية الكالئة الحامية المتصلة بالإنسان ، وبأكرم إنسان وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وفي ذلك إشارة إلى أن البعث من الربوبية ، فهو كما أنشأكم وكلأكم ورباكم يبعثكم ، فهو لم يخلقكم عبثا ، و « الفاء » هنا للتعقيب على التوبيخ بتأكيد الأمر الذي قرره وقدره وأنكروه بل استنكروه ، و « اللام » في قوله تعالى :
لَنَحْشُرَنَّهُمْ
لام القسم الواقعة في جوابه ؛ ولذا أكد بنون التوكيد الثقيلة ، و « الواو » واو المعية في قوله تعالى :
وَالشَّياطِينَ
، أي أنهم يحشرون معهم ، وهم الذين أضلوهم ، وجعلوهم بالأوهام التي بثّت فيهم يعبدون الأوثان .