الذرية ، فمن بعض من حمل اللّه تعالى في سفينة نوح عليه السّلام إبراهيم وهود وصالح وشعيب ،
وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ
إسماعيل وإسحاق ويعقوب ، ومن ذرية إسرائيل موسى وداود وسليمان ، وهكذا أنعم اللّه تعالى على هؤلاء بنعمة التوحيد ، ونعمة الوحي ، ونعمة الاصطفاء على العالمين ، ونعمة الجهاد في دعوة الحق وحرمته .
وقد ذكر اللّه تعالى أن ممن أنعم اللّه تعالى من هداهم اللّه تعالى بهدى الأنبياء والمرسلين ؛ ولذا قال تعالى :
وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا
، « الواو » عاطفة على قوله تعالى :
مِنَ النَّبِيِّينَ
ف « من » بيانية ، واللّه أنعم على النبيين ومن تبعهم ، فقوله :
وَمِمَّنْ هَدَيْنا
، أي الذين اتبعوهم على صراط مستقيم ،
وَاجْتَبَيْنا
الذي اخترناهم لنبوة وجهاد كداود ، وطالوت الذي جعله اللّه تعالى رئيسا لبنى إسرائيل قادهم إلى الحرية والعزة وإن لم يكن من أبناء كبرائهم .
وإن هؤلاء الأنبياء المصطفين الأخيار والتابعين الأبرار قد صفت نفوسهم واستقامت قلوبهم ، وصغت إلى الحق أفئدتهم فكانوا إذا تليت عليهم آياته في كتبه الذي أنزلها الرحمن خروا ساجدين باكين ؛ ولذا قال تعالى :
إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا
سجدا : جمع ساجد ، وبكيا جمع باك ، أي أنهم لفرط تأثرهم بآيات الرحمة التي تنزل من عند الرحمن ، ولذا اختير ذلك الوصف
الرَّحْمنِ
في التعبير عن الذات ، فهم يبكون لشعورهم برحمة اللّه ، ويسجدون شكرا للّه تعالى على ما أنعم ، وإن ذلك كان من شأن الصالحين ، فكان أبو بكر بكّاء عند تلاوة القرآن الكريم ، وكان الإمام الشافعي إذا صلى بالناس بكى وبكوا عند تلاوته حتى سمى القارئ البكّاء ، ومن كان من الصالحين لا تدمع عيناه يبكى قلبه . وإن ذلك من الوعي الطيب ، إذ يحسّ السامع للتلاوة ، بأنه يسمع اللّه تعالى ينادى فيرتجف ويقشعر بدنه ، ولقد قال اللّه تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ . . .
( 23 ) [ الزمر ] .
قد ذكر اللّه تعالى من خلف أولئك الأبرار من النبيين والصديقين .