تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4616

مساهمون:

ص٤٦١٦
الحواس ، أي وحاستك سليمة ، ولما ذا كانت العلامة الدالة على وفاء اللّه ببشراه وتنفيذها بالفعل هي حبسه عن الكلام ثلاثة أيام متتابعة ، وهو سليم الحواس ؟ ، تلك إرادة اللّه تعالى ولا يعلم إرادة اللّه إلا اللّه سبحانه وتعالى ، وقد نتلمس معرفة بعض أسرار ذلك الحبس فنقول إنه سبحانه وتعالى قد أراد به العتب ، لذكر غرابة البشرى ، وقد يكون إعفاء لزكريا وامرأته من لجاجة القول عند الفضوليين من الناس ، وقد يكون للانصراف إلى العبادة والعكوف في منزله أو المسجد الأقصى ، قد يكون لذلك أو لغيره ، والعلم عند اللّه العليم الخبير . ولما تأكد مجىء الولد وكان على وشك المجىء ، كان التسبيح والتكبير هو شكر للّه تعالى ، وكان ذلك منه ومن قومه ؛ لأنه ليكون لهم ولى لزكريا ، له حنانه وعطفه ومحبته ، ولذا قال تعالى :
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
( 11 ) .
الْمِحْرابِ
هو المصلى ، ويظهر أنه كان يلازمه عندما وعده ربه أو كان قربيا منه دائما ، ولذا كان خروجه مبتدأ منه ، وسمى المصلى محرابا ؛ لأنه يحارب الشيطان بلزومه فهو مشتق من المحرب ، أو يحارب التعب ويأنس فيه باللّه والقرب منه ، فيكون مشتقا من الحرب والتعب وجهاد النفس . ومهما يكن اشتقاقه فهو أشرف مكان خرج على قومه منه وأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ،
فَأَوْحى
أي أشار إليهم ، وكأنه كان إلى محبوس اللسان ، كما يدل على ذلك مخاطبته لقومه بالإشارة والرمز ، وقد كان هو في ذكر دائم ، كما قال تعالى :
. . . وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
( 41 ) [ آل عمران ] . وقد دعا قومه للمشاركة في هذا بالإشارة لشكر اللّه تعالى لما تأكد من العلامة أن اللّه تعالى وهبه الولد الذي يكون وليا . والتسبيح : التقديس ، والتسبيح في العشى والإبكار يفيد أنه تسبيح طوال النهار وطرفا من الليل ، وكانت دعوة قومه للتسبيح معه ؛ لأنه ذلك الولي الذي