يحتاج في خلقه إلى وسائط وليسمع الناس بيان اللّه تعالى أنه هين عليه ، وأنه ليس بغريب من اللّه تعالى ، فقد خلق الإنسان ولم يك شيئا ، وأن اللّه تعالى غنى عن الوسائط والأسباب ، وشكرا لنعمة اللّه في إجابة الدعاء فقد أجاب سبحانه مع ظهور ما يبعد الإجابة ، ولكن ليس على اللّه ببعيد .
وموضع البعد أنه شيخ فان قد تصلبت عظامه وصار كالحطام الذي لا تجرى فيه الحياة ؛ فقد بلغ من الكبر عتيا ، وامرأته عاقر لم تنجب ولم يكن من شأن أمثالها في العادة أن تنجب ، وقوله :
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
، أي بلغت من كبر السن حدا صرت فيه صلب العظام معروق اللحم ، وقد قال الزمخشري في معنى كلمة ( عتى ) واشتقاقها : « أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل ، ويقال : عتا العود من أجل الكبر والطعن في السن العالية ، أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا » ا ه « 1 » .
وأصل عتى عتوو . كسر ما قبل الواو الأولى فقلبت ثم اجتمعت الواو والياء وكانت إحداهما ساكنة فقلبت ياء وأدغمت الياء في الياء ، وقرئت
عِتِيًّا
بكسر العين وبضمها « 2 » .
أجاب اللّه تعالى زكريا بقوله :
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
( 9 ) .
كَذلِكَ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره مثلا الأمر كذلك ، وقائل هذا هو الملك الذي تولى الوحي بين زكريا وربه ، أي قال الملك : الأمر كذلك ، فقد قدره اللّه تعالى ، وأحكم ما قدر ، ثم نقل عن اللّه تعالى قوله :
قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
وعبر ب
رَبُّكَ
للإشارة إلى أنه خالقه ومربيه والقائم على كل أموره ، وأنه لا غرابة في أن يكون هذا من الحي القيوم
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
، الضمير
هُوَ
يعود
هامش
( 1 ) الكشاف للزمخشري : 2 / 503 ، والجسارة : الصلابة والخشونة . لسان العرب - جسأ .
( 2 ) اختلف في ( عتيا ) ، فحمزة والكسائي وحفص : بكسر العين ، وقرأها الباقون بالضم . الشيخ محمود خليل الحصري - القراءات العشر من الشاطبية والدرة - الشمرلى . مختصرا .