خاف الموالى ؟ قيل : لأنهم لم يكونوا أمناء على تركته من بعده إذ كانوا عصاة مسرفين ، أو لأنهم قلة ، وعلى هذا قرئت ( خفّت ) بفتح الخاء وتشديد الفاء وسكون التاء ويكون طلب الولد لينضم إليه ، وقد ورد هنا اعتراضان :
الاعتراض الأول : أنه ورد في الأثر : « إننا معشر الأنبياء لا نورث » « 1 » .
الاعتراض الثاني : أنه إذ يطلب الولد يرثه إنما يعترض على تقسيم اللّه تعالى للميراث ويستكثر على الموالى ما يأخذوه .
والجواب عن الاعتراض الأول : أن هذا الأثر كان بالنسبة للنبي ، وإلا فقد ورث سليمان داود - عليهما السلام - أو على أنه غالب أمرهم ، أو على أن الوراثة هي وراثة العلم والنبوة ولكن ذلك بعيد .
وأما الجواب عن الاعتراض الثاني : فهو أنه لا مضارة في الوراثة ، وإنما أراد أن يضم إليهم في تحمل أعباء العلم الذي حمله زكريا ، ويؤيد ذلك قراءة خفّت بفتح الخاء وتشديد الفاء ، والمرأة العاقر التي لا تلد ، وقوله :
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً
، أي ثبت عقرها ودوامه يدل عليه التعبير ب « كان » الدالة على الدوام والاستمرار ، أي أنه لا أصل له في الولادة لكبره وعقمها ، ولكن رجاؤه من اللّه تعالى مسبب الأسباب ، ولذا قال متجها إليه ؛ لأنه فوق الأسباب الظاهرة
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
« الفاء » لبيان ترتيب ما بعدها على مع ما قبلها ، فهو مترتب على رجائه في اللّه تعالى ، وترك الرجاء من جهة الأسباب العادية وكان التعبير ب « هب » ، أي أنه هبة مجردة من فضلك وإرادتك أنت الفاعل المختار ، وكان قوله
مِنْ لَدُنْكَ
تأكيد بأنه من قبل اللّه تعالى لا دخل للأسباب العادية فيه ، بل إنه خرق لهذه الأسباب .
وَلِيًّا
، أي يلينى ويخلفني في مالي وما أوتيت من علم وحكم وحكمة .
هامش
( 1 ) رواه أحمد - باقي مسند المكثرين ( 9593 ) . والنسائي في الكبرى 4 / 71 ( 6266 ) : « إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة » . كما رواه البخاري ومسلم بلفظ آخر .