أي دعاه دعاء الضارع الخاضع المتوكل ، الذي لا يرجو إلا ربه ، وعبر بالنداء لأنه طلب منه ، التجأ فيه إليه ، وهو طلب لشخصه ولأسرته ، وقد كان هذا الطلب في ذاته دعاء وعبادة ، كما قال تعالى :
. . . ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . . .
( 60 ) [ غافر ] ، ودعاه في خفاء ، ولذا قال سبحانه :
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا
( 3 ) ، و
خَفِيًّا
صفة مبالغة من خفى ، أي أنه بالغ في إخفاء دعائه فلا يعلمه قومه ؛ ولأنه مناجاة للّه وضراعة إليه ، وهو لا يلتجئ إلا إليه وحده :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ . . .
( 205 ) [ الأعراف ] ، وقال تعالى :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
( 55 ) [ الأعراف ] ، وفي هذا إشارة إلى أن الدعاء تضرع وفي الجهر به اعتداء ؛ لأنه يكون فيه دعوة لغير اللّه وشكوى للناس من ربه .
وموضوع النداء ، بينه بقوله تعالى عنه :
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
( 5 ) .
وَهَنَ الْعَظْمُ
، أي ضعف ، ووهن العظم دليل على وهن الجسم كله ؛ لأنه عمود الدين وبه قوامه ، وهو أصل بنائه ، فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته ؛ ولأنه أشد ما فيه وأصلبه ، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن منه ، كذا قال القرطبي في تفسيره « 1 » .
ذكر أولا ما دل على الضعف الحقيقي ، ثم ذكر ما يدل ظاهرا على الضعف ، وهو أنه يعلوه الشيب فقال :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ
الاشتعال الانتشار ، و
شَيْباً
تمييز محول عن الفاعل ، والمعنى اشتعل شيب الرأس ، أي انتشر الشيب فيه ، والاشتعال مع أنه بمعنى الانتشار إلا أنه غلب على انتشار النار .
وهنا نجد ثمة استعارة ، فقد شبه انتشار بياض الشيب باشتعال النار ، إذ يكون الشيب عند انتشاره لامعا كوهج النار ، ولأن فيه إفناء الشعر الأسود ، كما تحرق
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن : 11 / 73 .