تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4602

مساهمون:

ص٤٦٠٢

سورة مريم

تمهيد :

هذه السورة مكية ، وقيل أن آيتي 58 ، 71 مدنيتان ، وعدد آياتها ثمان وتسعون آية . وقد ابتدأت هذه السورة الكريمة بذكر معجزات خارقة للعادة في الوجود الإنسانى ، ذلك أن الفلسفة الأيونية كانت قائمة على أن الأسباب وعلاقتها بالمسببات لا تخالف قط حتى بنوا نظرية الألوهية على العلّيّة ، وقالوا : إن العالم نشأ عن اللّه تعالى نشوء العلة من المعلول من غير إرادة من الفاعل المختار ، فجاءت السورة في كثير من آياتها بما هو خرق لهذه النظرية . إن من أسباب الخلق أن الشيخ الكبير لا ينجب وأن المرأة العاقر لا تلد فإذا أنجب الرجل الهرم من عجوز عاقر ، فذلك خرق لنظرية الأسباب ، إذ يوجد الولد من عاقر عجوز لا تنجب ومن شيخ هرم لا ينسل . وقد ابتدأت السورة الكريمة بذكر نبي اللّه زكريا
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ( 3 ) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
( 6 ) . واللّه تعالى يجيب دعاءه فيقول سبحانه له :
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
( 7 ) ولكن تأثره بمجرى الأسباب العادية يثير استغرابه فيقول :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
( 9 ) . ولكن الاستغراب لا يزال يتردد في نفسه فيقول :
رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
( 10 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 4602 | محمد أبو زهرة