تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4603

مساهمون:

ص٤٦٠٣
أعطاه ولدا من امرأة عاقر ، وكان ذلك خرقا للأسباب في عصر الأسباب ، وقد وهبه اللّه تعالى حبا وحنانا ، وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا . ثم جاء بالمعجزة الكبرى الخارقة لمجرد الأسباب والمسببات وبيان أنها لا تلزم الفاعل المختار وهي خلق عيسى من غير أب من عذراء بتول فقال تعالى :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
( 16 ) ونزل إليها روح القدس جبريل عليه السّلام الذي شرفه اللّه تعالى بأن أضافه إليه
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا
( 21 ) . جاءها المخاض وألجأها إلى جذع النخلة ، وجاءت الخوارق للعادة متوالية تعلن خرق نظرية الأسباب والمسببات ، فتهز جذع النخلة فتساقط رطبا جنيا والماء يجرى من تحتها
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
( 26 ) ولكنهم يجابهونها بما كانت تخشى يقولون :
يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
( 28 ) ، ولكن يجئ سر خارق للعادة يشير له الجميع ، وهو أن يتكلم من هو في المهد بالحكمة ،
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
( 33 ) . كان عيسى ابن مريم عليه السّلام معجزة في الحمل به وفي ولادته وفي طفولته في المهد وهو مخلوق عبد اللّه تعالى ، وإذا كان وجوده على غير مجرى العادات فهو بخلقه أدل على قدرة اللّه تعالى من غيره وإذا عبده النصارى فمن جهلهم
ما كانَ
زهرة التفاسير — صفحة 4603 | محمد أبو زهرة