قال اللّه تعالى :
[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 42 إلى 43 ]
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ( 42 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 )
المكر العمل على صرف غيره عن مقصده بحيلة ، وأنه يأخذ وصف الذم والحمد ، من المقصد الذي قصد الصرف ، فإن كان ذلك القصد مذموما ، فالصرف عنه خير ، ما لم يكن السبيل ذاته شرا ، وإن كان القصد محمودا ، فالصرف عنه مذموم ؛ لأن الصرف عن المحمود يوجب الذم .
وعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى :
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
الضمير يعود إلى المشركين ، أي مكر الذين من قبلهم الذين ساروا هم على سننهم ، وضلوا ضلالا بعيدا مثلهم ، ولا شك أن من هذه حالهم مكرهم يكون لتحويل الناس عن إطاعة النبيين ، وصرف النبيين لهم عن اتباعهم ، وذلك بطرق التدبير السيئ المختلفة من اضطهاد وأذى وسخر بهم ، وقيل لهم أحيانا ، والشتم والذم في أكثر الأحيان ، فقد سخر قوم نوح منه وممن تبعه ، وقالوا ما اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ، وكذلك قوم هود وقوم صالح ، وآل مدين قوم شعيب .
وذكر هذا الخبر للمشركين لبيان أنهم لن يضيروا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأصحابه مكرهم إلى هباء ، ولا يعد شيئا بجوار مكر الله تعالى ، والتدبير للمؤمنين لينجوا من شرهم ؛ ولذا قال تعالى :
فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً
، أي لله وحده التدبير الذي يحول القلوب ، وقد دل هذا النص السامي على ثلاثة أمور :