وإن إتيان الله للأرض إتيان لقوة الله قوة الحق والإيمان فهو سبحانه يأتي القلوب فتزمن ، ويعمرها بالإيمان ، وكل عمران بالإيمان ، نقص للأرض من سلطان الكفار .
وإذا دخل الإسلام أرضا كان هو الحكم وحده ، لا معقب لحكمه ، أي لا يخرج منه ويجئ عقبه حكم غيره ، فالإيمان الصادق إذا دخل النفوس لا يخرج منها لأنه يكون به سكونها واطمئنانها وقرارها .
وقد قال الزمخشري ، وهو ابن نجدتها
لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
لا راد لحكمه ، والمعقب الذي يكر على الشئ فيبطله ، وحقيقة الذي يعقبه بالرد والإبطال ، ومنه قيل لصاحب الحق ، معقب لأنه يعفى غريمه بالاقتضاء والطلب ؛ لذا قال لبيد :
« طلب المعقب حقه المظلوم » ، والمعنى أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال ، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس .
ومعنى قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَحْكُمُ
، أي الله وحده يكون الحاكم للنفوس ، وليست الأهواء المتحكمة ، ولا قهر الأقوياء للضعفاء ، إنما هو الرحمة والعدل ، ولا حكم يتعقبه .
ويكون للذين كانوا يسيطرون الحساب ، وإنه لقريب ، وإنه لسريع ؛ ولذا قال تعالى :
وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ
، أي أن الحساب آت لا ريب ، وكل آت فهو سريع ، لأنه مؤكد الوقوع ، وعدد السنين والشهور لا قيمة له ما دام مؤكد الوقوع ، وما يكون سريع الحساب يكون شديد ؛ لأنه يفاجئ المنكرين من حيث لا يحتسبون ؛ ولأن سرعة الحساب يكون لأجل غرض العقاب ، ولتحقيق معنى الجزاء ، وذلك يكون على قدر ما ارتكب المسىء ، والله عزيز ذو انتقام .