صدرت الآية ب
أَوْ
الدالة على التخيير ، يتحدون به النبي صلى اللّه عليه وسلم وكرر ( أو ) ، وكلاهما مزدوج ، وهذا الأمر الثالث مكون من جزءين : الجزء الأول أنهم رأوا النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يتيما ثم كان فقيرا ، وقد حسبوا أن النبوة مقترنة بالثروة ، فالنبي يجب أن يكون ثريا ليكون عظيما ، فالعظمة عندهم بالمال ولا عظيم من غير مال ، ولذا قال سبحانه وتعالى عنهم :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 ) [ الزخرف ] ، أي الطائف أو مكة .
هم يعيبون نبوة محمد بأنه فقير ، فيقولون له : أما كان يغنيك بالمال ما دمت في الأرض ، أو يرفعك إلى السماء إذا كنت ذا منزلة عند ربك
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ
الزخرف هو الذهب ، أي بيتا مموها بماء الذهب مزخرفا ، فإن لم يعطك هذا ويجعلك غنيا من الأغنياء وعظيما من العظماء فليعرج بك إلى السماء
وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ
ونعلم منه أنك ارتفعت وعلوت ، ونعلم هذا الكتاب رقيك إلى السماء .
والمعنى الذي يتحدون به رسالة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنك إن كنت رسولا من أهل الأرض فليجر عليك حكم أهل الأرض وأهل الأرض العظمة فيهم بالمال والثروة ، وليكن لك بيت مزخرف كأهل الترفه والتنعم ، وإن كنت لا تريد أن تكون كأهل الأرض فلتكن من أهل السماء ، ولترق إلى السماء لنؤمن برسالتك ولن نسلم بأنك ارتفعت إلى السماء إلا إذا نزل علينا كتاب نقرؤه .
هذا هو تحديهم وهو إلى الهزل أقرب ، وقد أمر اللّه تعالى نبيه أن يجيبهم عن هذه المطالب المتحدية بقوله :
قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
تقدست ذات ربى الذي خلقني ورباني وكملنى
هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
والاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي ، فهو إنكار للوقوع ، معناه ما كنت إلا بشرا أرسلت من عند اللّه تعالى . وكانت صيغة النفي على شكل الاستفهام تقريرا للنفي والإثبات وانحصار الوصف الكامل للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه بشر رسول ، وليس وصف غير هذا وهو أعلى أوصاف الكمال الإنسانى .