تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4442

مساهمون:

ص٤٤٤٢
بعد أن ذكر سبحانه وتعالى إشراق النفوس بالحق وطمس الباطل أشار سبحانه إلى مصدر الحق في الإسلام وهو القرآن فليس فيه إلا الحق ، ولا يلتمس إلا منه ولا يطلب إلا من آياته ، فقال تعالى :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ
، ( من ) هنا يقول بعض علماء اللغة : إنها بيانية ، أي ننزل القرآن الذي هو شفاء للناس ورحمة للمؤمنين ؛ لأن القرآن كله شفاء ورحمة ، وإذا جعلنا ( من ) للتبعيض يكون معنى الآية أن بعضه ليس فيه شفاء ولا رحمة وذلك باطل فيبطل ما يؤدى إليه . وقال ابن عطية من المفسرين : « إن جعل ( من ) للتبعيض لا ينافي أن القرآن كله شفاء ؛ لأن
( نُنَزِّلُ )
معناه النزول شيئا فشيئا فيكون المعنى على هذا « وننزل من القرآن شيئا فشيئا ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين » فالتبعيض في طريقة النزول لا في الحكم بأنه كله شفاء ورحمة للمؤمنين » . والشفاء والرحمة للمؤمنين ؛ لأنهم الذين ينتفعون به ، والشفاء الذي اشتمل عليه القرآن هو شفاء النفوس من أوهام الباطل ، وشفاء العقول من رجس الوثنية والأخلاق الجاهلية ومفاسد الأخلاق والرذائل الأثيمة ، وتلك تخلية وبعدها التحلية ، وتلك هي الرحمة ، فتملأ النفوس بمكارم الأخلاق وتنظم المعاملات بين الناس في شريعة محكمة وحقائق ثابتة ، وتنظم أعمال الناس بنظم اجتماعية واقتصادية تحفظ للفرد حقه في التصرف والامتلاك ، وتصريف أموره في ظل جماعة عادلة رحيمة مترابطة غير متقاطعة ، ولا متنازعة لا تسلب فيها الحقوق بكلام لا معنى له . وإن هذا النص الكريم يتقارب في مؤداه من قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
( 57 ) [ يونس ] وإن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالغذاء الطيب التي يغذى النفوس والدواء الناجع الذي يزيل أمراض القلوب ، أما غير المؤمنين فلأنهم أعرضوا عن الحق ، وصموا آذانهم عنه إذا سمعوا القرآن لا يشفيهم ولا يغذيهم بل يزيدهم خسارا ، ولذا قال :