تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4414

مساهمون:

ص٤٤١٤
عاصيا يتفحش في المعاصي لا كرامة له ، وإن ظهر بين الناس متغطرسا طاغيا ، فإن الكرامة ليست هي السلطان ، إنما هي الحق ، فإن كان مع السلطان الحق توافرت الكرامة ، وإن خلا منها فهو المهين المتغطرس ، وهذا يشير إلى أن المشركين في إشراكهم لا كرامة لهم ، وإن تعصبوا وغلبت عليهم العنجهية الجاهلية . ولذا قال تعالى :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ
. « الواو » لوصل الكلام ، إذ إنهم يتغطرسون ويطيعون الشيطان فيبين اللّه أنهم إذ يطيعونه يذهبون بالتكريم الذي كرمهم اللّه تعالى ، وينزلون برءوسهم وأجسامهم ، إلى كرامة أبيهم آدم ، و « إذ » متعلقة بمحذوف ، ويذكر اللّه تعالى أمره للملائكة بالسجود مضيفا الأمر إلى ذاته العلية بيانا لمركز آدم ، واللّه تعالى بذاته العلية وجه الأمر إلى الملائكة بالسجود ، وإن إبليس كان يدخل في عموم المخاطبين بهذا الأمر أكان من الملائكة أم كان من الجن ، كما صرح بأنه من الجن في آية أخرى ، إذ قال :
. . . إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ . . .
( 50 ) [ الكهف ] ، والسجود كان لآدم بوصف الآدمية ، فكأن الآدمية مكرمة لذاتها ، والمهانة تعتريها من المعصية ،
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ
، أي أطاعوا ، وخروا ساجدين إلا إبليس ، فقد تمرد ، وفسق عن أمر ربه ، وقال متمردا متعاليا من غير علو ، كشأن أتباعه
أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً
الاستفهام هنا إنكاري بمعنى إنكار الوقوع أي النفي ، أي : لا أسجد ، معترضا على ربه ، كما قال سبحانه في آية أخرى :
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
( 76 ) [ ص ] ، وقوله :
أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً
، أي لمن خلقته من طين ، ولكنه أتى بكلمة ( طينا ) على أنه حال ، أي : أأسجد لمن خلقته من طين ، أي أنه ينكر أن اللّه سوّاه ، وكأنه إلى وقت السجود كان طينا حتى إلى هذه الحال ، وكان هذا من مظاهر الاستكبار . وقد بين نية الشر الذي دفع إليه الحسد ، وسبب ذلك الحسد ، قال :
أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ
الكاف لتأكيد الخطاب ، ويقول بعض اللغويين ، لا محل لها من الإعراب ، وأرى أنه لا مانع من أن تكون في موضع