انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
( 48 ) .
المثل هو تشبيه حال بحال أو وصف بوصف ، وضربه : بيانه ، فالمعنى انظر كيف شبه حال الرسول أحيانا بالشاعر ، وأحيانا بالساحر ، وأحيانا بالمسحور وأحيانا بالكاهن ، وكلما ضربوا مثلا باطلا أوغلوا في الفساد النفسي والفكري ، وانحرفوا عن الحق ، فإن كل مثل بالباطل تنحرف به النفس عن الطريقة المثلى ، ولذا قال تعالى مرتبا على كثرة الأمثال الباطلة
فَضَلُّوا
، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي أنهم أكثروا من التشبيهات الباطلة ، وكلما ضربوا مثلا زادوا انحرافا وضلالا ، وكلما أوغلوا لا يستطيعون سبيلا فإن مثارات الضلال تبعد عن الطريق المستقيم فلا يهتدون ، وأنهم يعجبون من أن يكون هناك بعث بعد أن يصيروا عظاما نخرة ، ولذا قال تعالى :
وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
( 49 ) .
العظام هي العظام التي خلت من اللحم الذي كسيت به ، وهو عظام الموتى ، والرفات ما تكسر وبلى ، وعن أبي عبيدة والفراء والأخفش تقول منه رفت الشئ رفتا أي عظم مرفوت .
وهنا في الآية الكريمة كأنهم تعجبوا من ثلاثة أمور :
الأمر الأول : التعجب من أنها بعد أن تصير عظاما مرضوضة مكسورة محطومة تجتمع وتكون إنسانا سويا .
الأمر الثاني : التعجب من البعث في ذاته .
الأمر الثالث : أن هذه العظام النخرة تكون خلقا جديدا .
فالتعجب الأول هو قولهم
أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً
وأفرده بالاستفهام ؛ لأن بعثه خلقا جديدا بعد أن صار عظاما ورفاتا فكان إفراده بالاستفهام مع أنه مع البعث خلقا جديدا كل مثار تعجب ، للإشارة إلى أنه موضع عجب في ذاته ، وكذلك كان إفراد
أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
.