والخلقي فيهما إلى النية المحتسبة ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم في الحديث المتواتر المعنى : « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله ، فهجرته للّه ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته لما هاجر إليه » « 1 » .
ونتكلم في معنى يدعو ، أهي من الدعاء ، أم من الدعوة . فإذا كانت من الدعاء تكون بمعنى دعاء اللّه بالشر كدعائه بالخير لا يتروى فيه ، ففي الخير المسارعة فيه خير ؛ لأنها مبادرة إليه ، والمسارعة إليه مطلوبة ، لقوله تعالى
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ . . .
( 133 ) [ آل عمران ] وأما المسارعة بالدعاء إلى الشر فذلك ممقوت ، كالدعوة على النفس بالهلاك عند الغضب ، وكدعاء إنزال العذاب ، كقول اللّه على لسان المشركين
. . . فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 70 ) [ الأعراف ] ، وقد قال تعالى لائما على ذلك ،
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
( 11 ) [ يونس ] .
هذا إذا كان يدعو من الدعاء ، أما إذا قلنا إنها من الدعوة وتجىء بمعنى الدعاء فالمعنى أن الإنسان يدعو نفسه وغيره متلبسا بالشر ، كدعوته إلى الخير ، وإذا كانت الدعوة إلى الخير محمودة العاقبة في ذاتها لأنها خير مآلا ، ولأنها مرئية في ذاتها فالدعوة المتلبسة بالشر تحتاج إلى تعرف عواقبها ونهايتها ، والتروي والتدبر في دواعيها ، وإذا فكر وتدبر لا يفعل إلا ما يؤدى إلى النفع ، ولكنه لا يفعل ، ولذلك قال تعالى بعد ذلك :
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
وذلك كقوله تعالى :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ . . .
( 37 ) [ الأنبياء ] فهو في طبعه التعجل إلى الأمور ، والعاقل من يتأنى ويتدبر ويصبر ، ويدرس الأمور ، فإذا كانت العجلة من غرائزه ، فالإدراك يهذب هذه الغريزة ، ويجعلها متناسقة مع مواهبه ، وكذلك كل غريزة تشذب
هامش
( 1 ) متفق عليه ، سبق تخريجه .