ذلك لأن قراءة القرآن ذكر للّه ، واستماع لحديث اللّه وترداد له فهو إصلاح للقلوب وللنفوس ، ولم يطلب من النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين قراءته بل إن الإيمان يقتضى قراءته ؛ لأنه أحسن الحديث ، بل كان الأمر بقراءته ضمنيا في ضمن الأمر بالاستعاذة من الشيطان الرجيم ، وكان أمرا بالقراءة والاستعاذة معا ، وفيه فائدة أن القراءة لا تجدى جدواها إلا إذا كانت معها الاستعاذة الحقيقية من الشيطان بإبعاد وساوسه في تمنيات الإنسان إذ إن الأماني ذريعة الشيطان ، يدخل قلب المؤمن من جانبها كما أتى قلبي آدم وحواء بالأمانى ، ثم سول لهما الأكل من الشجرة ، ( الفاء ) في قوله :
فَاسْتَعِذْ
هي فاء الإفصاح لأنها تفصح عن شرط مقدر ، أي إذا اتجهت بالعمل الصالح والقول الصالح إلى القرآن
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ . . .
.
و
قَرَأْتَ
هنا تطوى في ذاتها نية القراءة أي إرادتها ، فمعنى فإذا قرأت أي أردت القراءة ، كما في قوله تعالى :
. . . إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ . . .
( 6 ) [ المائدة ] ، وكقوله تعالى :
. . . وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا . . .
( 152 ) [ الأنعام ] ، وكقوله تعالى :
. . . وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ . . .
( 58 ) [ النساء ] ، وقوله في شأن حجاب نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم عن السائلين متاعا
. . . وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ . . .
( 53 ) [ الأحزاب ] ، ففي كل هذه الآيات ذكر الفعل وطويت النية والإرادة لأنها ملازمة له ومقترن بها لا بتحقق من غيرها ، بل الإرادة والنية هما الحقيقتان والقول مظهرها ولا ينفصل الباعث عن المظهر إذا كانا متصلين في الوجود ؛ ولذا كانت الاستعاذة مقدمة على القراءة بإجماع العلماء ، ومنهم من جوز الاستعاذة بعد القراءة ، والاستعاذة معناها الالتجاء إلى اللّه تعالى ، والابتعاد عن وسوسة الشيطان وقت القراءة ، ووسوسته تجىء من بث الأماني في النفس ، وقد قلنا إنها ذريعة الشيطان وطريق دخول الهوى إلى النفس و
الرَّجِيمِ
معناه المطرود الملقى عليه الحجارة ، تثبيتا للإبعاد والطرد ، والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ابتداء ، ولأمته تبعا ، وهم من يقتدى ويتبع ، فالأمر بالاستعاذة أمر للأمة كلها ، وهي بها أجدر وأحق .