أحسب أن هذه الآية تشير إلى ما قدره سبحانه وتعالى في علمه المكنون مما كتبه على الناس من غنى وفقر ، وإن كل شئ بقدره ، وفي غيبه حتى العجز والكيس ، ومع ذلك فيها بيان لما يستعجله الناس من وعيد ، ومن قيام الساعة مع أنه قريب وأنه ليس بعسير على الله تعالى بل كلمح البصر أو هو أقرب ، واللمح النظر السريع ، يقال لمحه لمحا ولمحانا إذا أدركه بطرف العين أو مجرد حركتها بحركة الرمش ، وهو زمن لا يتجاوز ثواني من دقيقة .
والمعنى وإن أمر الساعة وزمانها وإن استطلتم الزمن الذي يمضى هو عند الله كلمح البصر ، أي تحسبونه بعيدا ، وهو عند الله تعالى قريب كلمح البصر ، فالأزمان تجرى عليكم بالطول والقصر ، أما عند الله فإنه لا زمان يحكمه ، ولا ظرف يحيط إنما ذلك أعراض لا تكون إلا عند الحوادث ، وذلك كقوله تعالى :
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ( 6 ) وَنَراهُ قَرِيباً
( 7 ) [ المعارج ] وكقوله تعالى :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
( 47 ) [ الحج ] ، أي إن الزمن لا يحكم إرادة الله ، بل إرادة الله تعالى هي الخالقة للأفلاك والأزمان ومعنى
أَمْرُ السَّاعَةِ
مهما طال زمنها في نظركم ، هو عند الله قريب
أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
، ( أو ) للإضراب عن وصف أمرها بأنها كلمح البصر ، بل هي أقرب من ذلك إن بالغتم في الاستغراب .
وإنه يراد مع استطالة الزمن أن الساعة إذا جاءت واضطربت السماوات والأرض وكورت الشمس وانفطرت الأرض والكواكب اندثرت ، كل ذلك يتم في لمح البصر أقرب من ذلك ، فالله تعالى على كل شئ قدير ؛ ولذا ختم الآية بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وقد أكد سبحانه وتعالى قدرته بعدة مؤكدات أولها الجملة الاسمية ، وثانيها : ( إن ) الدالة على تأكيد الخبر وهو قدرة الله تعالى ، وتقديم
كُلِّ شَيْءٍ
على
قَدِيرٌ
؛ لأنه يدل على الاهتمام ووصف
قَدِيرٌ
، والله أعلم .