بعد أن أشار اللّه تعالى إلى خلق السماوات والأرض ، وخضوع الجميع ساجدين ، العقلاء وغير العقلاء ، والأحياء والجماد على معنى جامع بينها ، وهو الخضوع والتسبيح ، وإن كنا لا نفقه تسبيحها فخالقها عالم بها .
بعد ذلك بين أنه سبحانه واحد أحد ، وهو إله وحده فقال :
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
( 51 ) .
هذه الجملة السامية متصلة بما قبلها بالواو العاطفة ، والواو العاطفة على
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ . . .
، أي اللّه الذي يخضع الوجود كله له لا فرق بين حي وجماد ، ولا عاقل ولا غير عاقل ، يقول لكم :
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
وذكر ( اثنين ) مؤكدا معنى العدد المفهوم من المثنى ؛ لأن المثنى في ذاته يدل على المثنوية ، وكان التأكيد باثنين لأنه موضع النهى ، إذ إن موضع النهى هو أن يكون إلهان اثنان ، وذكر النهى عن اثنين ، لأنه يتضمن النهى عن ثلاثة وأكثر ؛ لأنه إذا كان الأقل منهيا عنه ، فالأكثر أولى بالنهى ؛ ولأن اتخاذ إلهين دلت الآية الأخرى على أنه يؤدى إلى الفساد في السماوات والأرض ، إذ إن تعدد الآلهة يلغى معنى الألوهية ويفسد السماوات والأرض التي دلت الآيات المتلوة والآيات الكونية على أنهما منظمان أبلغ ما يكون النظام ، قال اللّه تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
( 22 ) [ الأنبياء ] ، وإن قياس البرهان على بطلان الشرك المبنى على التنازع يفرض إلهين ، فيقول لو كان إلهان لتنازعا ، ولرجح أحدهما على الآخر على فرض التساوي بينهما ، وإذا تنازعا مع هذا التساوي فسد الكون ، وإذا لم يفرض على التساوي ، كان المتفاضل منهما هو الإله .
ونقول : إن ذكر الإلهين الاثنين فيه إيماء إلى هذا الدليل العقلي ، واللّه أعلم .