لَمَجْنُونٌ
( 27 ) [ الشعراء ] ، فالكلام سوق لبيان تهكمهم على رسولهم ، وإن كان فيه إشارة إلى التنديد بهم ، وهو أنهم بدل أن يعتبروا ويتذكروا يتهكمون مع أنه ذكر لهم .
وقد أكدوا دعواهم بجنونه فقالوا :
إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
خاطبوا النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك الخطاب الذي يبهت كل عاقل مدرك ، أكدوه ب ( إنّ ) التي لتوكيد القول ، وبالجملة الاسمية ، وباللام ، وإن هذا يدل على شدة تمسكهم بعبادة الأوثان حتى عدوا كل من يدعو إلى تركها مجنونا ، ويدل على شدة طغيانهم وأنهم لا يذعنون للحق ، وإن دلت عليه دلالة واضحة بينة ، ويدل ثالثا : على إمعانهم في إيذاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن معه من المؤمنين وبعد أن سارعوا بالإنكار ، وادعاء أن النبي صلى اللّه عليه وسلم جاءهم بغير المعقول ، تعنتوا وزعموا أنهم يطلبون دليلا
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 7 ) .
( ما ) نافية ، و ( لولا ) نافية ، إذا دخلت ( لو ) على ( لا ) - كانت بمعنى الامتناع للوجود مثل قوله تعالى :
. . . لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
( 31 ) [ سبأ ] ، وتكون بمعنى الحض مثل قوله تعالى :
. . . لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً . . .
( 32 ) [ الفرقان ] مع امتناع الشئ الذي يحض عليه ، وهو ما قبل ( لا ) ، فإنها تدل على الحض ، وعلى الامتناع لعدم وجود شئ فقوله تعالى :
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ
معناها الحض على أن تأتى به الملائكة ، وعلى أن الامتناع عن الإيمان لأنه لم تأت به الملائكة ، بيد أنه يلاحظ أن ( لا ) تدل على النفي في الحال والاستقبال ، و ( ما ) تدل على النفي في الماضي ، وقد جمع في هذه الآية الكريمة بين ( ما ) ، وفعل المضارع بعدها ، فدلت على أن الامتناع عن الإيمان في الماضي لعدم إتيان الملائكة به ، وأنهم مستمرون على عدم الإيمان ما دامت الملائكة لم تنزل به .
وقد رد اللّه كلامهم الدال على الإمعان في الكفر ، والتعلة للإيغال فيه ، فقال في آية أخرى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
( 9 ) [ الأنعام ] وتعنتوا بهذا وبغيره ، واقرأ ما جاء أول سورة الأنعام ، فقد قال اللّه تعالى ردا عليهم :
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ