هذه الأوقات ؟ قيل : هي الأوقات التي تعلو فيها كلمة الحق ، وتصير الأرض العربية للمؤمنين فيها الكلمة العليا ، ويكون لهم السلطان والقوة ، فيتمنى المشركون الذين كفروا باللّه وبالقرآن أن لو كانوا مسلمين ، فإذا كانوا يغترون الآن بقوتهم ، وعزتهم ، ويستضعفون المؤمنين ، فربما يكون العكس ، ويودون لو كانوا مسلمين ، وإنهم في المنزلة عند اللّه ورسوله ليسوا سواء ، فلا يستوى من أسلم ، وفي المسلمين ضعف ، ومن أسلم وفي المسلمين قوة ؛ ولذا قال تعالى :
. . . لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً . . .
( 10 ) [ الحديد ] .
هذا إذا قلنا : إن الوقت الذي يكون فيه هذا الود ، وذاك التمني هو قوة المسلمين ، وإن قلنا : إن الوقت هو يوم يرون العذاب ، فإن المعنى أنهم يتمنون أن لو كانوا مسلمين لتكون لهم النجاة ، حيث لا منجاة إلا بأن يكونوا مسلمين .
وقد أشار اللّه تعالى بهذه الآية أن المشركين ، وإن استطالوا بفضل قوتهم الآن فإنهم سيتمنون أن لو كان مسلمين في المستقبل فلا يأسى النبي عليهم ، والعاقبة للمتقين ؛ ولذا قال تعالى :
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
( 3 ) .
كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يتمنى : لو يؤمنون ، كما قال تعالى :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 ) [ الشعراء ] ولكن اللّه تعالى أشار إلى نبيه أنه ليس عليه ألا يؤمنوا ما دام قد بلغ رسالة ربه ؛ ولذا قال :
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ
، أي اتركهم يأكلوا ويتمتعوا . . . وهذه الأفعال مجزومة في جواب الأمر ، وليس تركهم سبب هذه الأفعال ، إنما الترك إهمال لهم كما أهملوا النذير والاستجابة ، فالترك لانغمارهم في الشر ، وابتدأ بذكر الأكل للإشارة إلى أن متعتهم من أفواههم ، كمتعة الحيوان ، فهم كالأنعام بل أضل سبيلا ، ويتمتعوا تلك المتع المادية التي كان الأكل عنوانها ورسمها ، ولا يفكرون إلا فيما هو من جنسه ، كألوان الثياب والنساء ، وما إلى ذلك وهم يغفلون كأنهم لا يموتون ، وكأنهم المخلدون ، وأملهم في هذه الحياة يلهيهم عن التفكير فيما يسوقون إليه أنفسهم ،