تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4026

مساهمون:

ص٤٠٢٦
وقد قال الزمخشري : « إن تبديل النعمة كفرا ، معناه تبديل شكر النعمة كفرا ، وقد ذكر وجوها كثيرة فقال :
بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
، أي شكر نعمة اللّه
كُفْراً
؛ لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر ، وبدلوه تبديلا ونحوه
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
( 82 ) [ الواقعة ] ، أي شكر رزقكم ؛ حيث وضعتم الكذب موضعه ، ووجه آخر ، وهو أنهم بدلوا نفس النعمة كفرا على أنهم لما كفروها سلبوها ، فبقوا مسلوبي النعمة ، موصوفين بالكفر حاصلا لهم بدل النعمة ، وهم أهل مكة أسكنهم اللّه تعالى حرمه ، وجعلهم كرام بنبيه فأكرمهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فكفروا نعمة اللّه بدل ما لزمهم من الشكر العظيم ، أو أصابهم اللّه بالنعمة في الرخاء والسعة لإيلافهم الرحلتين ، فكفروا نعمته ، فضربهم بالقحط سبع سنين ، فحصل لهم الكفر بدل النعمة كذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر ، وقد ذهبت عنهم النعمة ، وبقي الكفر طوقا في أعناقهم ، وعن عمر رضي اللّه عنه هم الأفجران من قريش ، بنو المغيرة ، وبنو أمية ، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ، وأما بنو أمية ، فمتعوا حتى حين » . هذه وجوه ذكرها إمام البيان الزمخشري ، ونحن لا نقيد عموم القرآن ببلد أو جماعة إلا أن يكون لفظ الكريم ، يوحى بالتخصيص بدل التعميم ، واللفظ هنا فيه بيان لأحوال النفوس الإنسانية عندما تحيد عن أمر ربها ، وخلاصة الوجوه بعد إخلائها من التخصيص بقوم أو قبيل أنها تتجه إلى أن التبديل في الشكر ، فيكون الكلام على حذف مضاف ، بدلوا شكر النعمة كفرا ، أو يكون التبديل في ذات النعمة فلم ينتفعوا بها الانتفاع الطيب وبدلوا كفرا . وبذلك سرى الفساد إلى أقوامهم فأحلوهم دار الهلاك في الدنيا بالذل والهوان وفي الآخرة بجهنم ؛ ولذا قال تعالى :
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ
( 29 ) . جهنم عطف بيان لدار الهلاك ، وأن هلاك أشد من النيران يصطلون بها ، يحيط بهم حرها الشديد ويكونون وقودا لها ، وإنها تكن أسوأ نهاية ؛ ولذا ذمها اللّه