تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4025

مساهمون:

ص٤٠٢٥
التبديل معناه التحويل ، أو جعل شئ بدل شئ ، ومعنى تبديل نعمة اللّه كفرا في قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً
أنهم جعلوا بدل النعمة التي تستوجب الشكر كفرا ، فالذين أعطوا نعمة بدل أن ينتفعوا بها في وضعها موضعها من الشكر عليها كفروا بها ، وكثيرون من ذوى النعم الذي أنعم اللّه عليهم بالثراء استعلوا به فجعلوه كفرا ، ومن أنعم اللّه تعالى عليه بجاه في الدنيا بدلوه كفرا ، فاستغلظوا واستعلوا ، وجعلوا جاههم غطرسة وكبرا ، وبطروا معيشتهم . وكذلك أهل مكة في الجاهلية أكرمهم اللّه تعالى بمقامهم حول البيت الحرام ، وتلك نعمة أنعم اللّه بها عليهم ، فبدل أن يقوموا على سدانته وطهارته وضعوا عليه الأوثان ، فاستبدلوا بالنعمة كفرا ، وكذلك أنعم اللّه عليهم وعلى البشرية ببعث محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فبدلوا كفرا وعاندوه وآذوه وأصحابه ، وأنعم اللّه تعالى عليهم برحلتى الصيف والشتاء ، وأن تكون مكة وسط البلاد العربية تغدو منها المتاجر وتروح إليها بين اليمن والشام فبدلوها كفرا ، واتخذوها ربا الجاهلية ، وأكلوا السحت ، وكذلك اليهود بدلوا نعمة اللّه إلى كفر ، أعطاهم اللّه تعالى علم الكتاب فغيروا وبدلوا واستطالوا على الناس ، وقالوا نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، وظلموا الناس وأكلوا أموالهم سحتا ورشوة ، وقالوا :
. . . لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ . . .
( 75 ) [ آل عمران ] ، وهكذا . ولذا نقول : إن الآية عامة تشمل كل من أنعم اللّه عليه بنعمة ، فبدل أن يضعها في موضعها يتخذها أداة للطغيان والضلال ، فتكون كفرا ، وأنهم بسب ذلك الطغيان الذي يستخدمون النعمة طريقا له ويكفرون
وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ
، أي الهلاك ، أي ينزلون قومهم من عزة الإنسانية إلى الذل فيكون ذلك طريقا لانحدارهم إلى الهلاك ، وأصحاب النعم التي يكفرونها هم الذين يفسدون أقوامهم ، ويأخذونهم إلى حيث الفناء ، وفناء الأمم والأقوام بشيوع الكفر والجحود فيها .
زهرة التفاسير — صفحة 4025 | محمد أبو زهرة