تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 2881

مساهمون:

ص٢٨٨١
الواو هنا عاطفة ما بعدها على ما قبلها ، فهي عاطفة كلام نوح - عليه السلام - الأخير على ما قبله ، ولكنها أخرت في الذكر عن الهمزة ، وهو بهذا ينبههم إلى ما يزيل عجبهم واستغرابهم ، فهو استفهام في معنى النفي ، أي لا يصح أن تعجبوا من ذلك فإن الله لا ينزل ، ويكلم الناس ، ولا ينزل الملائكة ،
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
( 9 ) [ الأنعام ] ولقد أزال عجبهم ، وأمرهم بألا يعجبوا . وموضع العجب الواهم هو
أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ
« أن » تذكير بالحقيقة المستكنة في قلوبهم التي يطمسونها طمسا ، حتى لا يذكروا ،
عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ
، أي على لسان رجل منهم ، أو أن « على » بمعنى « مع » أي : مع رجل منهم ، وكذلك قال المشركون لمحمد صلى اللّه عليه وسلم :
. . . أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
( 94 ) [ الإسراء ]
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ . . .
( 7 ) [ الفرقان ] ، وقد بين الله الغاية من الرسالة التي جاء بها نوح - عليه السلام - وهي غاية الرسل أجمعين فقال :
لِيُنْذِرَكُمْ
بهذا الذكر الذي يثير العلم الذي تطمسونه فيذكركم به منذرا من عذاب ، ومبشرا بثواب
وَلِتَتَّقُوا
ولتعملوا على أن تتخذوا من عملكم وقاية لكم من العذاب ،
وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
، أي ولترجوا أن يرحمكم اللّه باتباع ما أمركم به من توحيد ، وإصلاح ، فإن ذلك هو الرحمة الحقيقية بكم . قال نوح ذلك متوددا متحببا ، مخاطبا بما يجمعهم من مودة ، ولكنهم نفروا من دعوته ، ومن هدايته فكذبوه ،
فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ
. الفاء : هنا للإفصاح ، أو للترتيب ، أي أنه ترتب على هذا الذكر ، وهذه الدعوة الهادية الباعثة على العبرة أن كذبوه ، وكان لا بد بعد هذا التكذيب القاطع للحق ، والهادم لكل صالح أن يكون العذاب لمن طغى ، والنجاة لمن هدى ، أمره اللّه تعالى بأن يصنع الفلك ، لينجى فيه من آمن من قوم نوح ، وأن يغرق من عاند وكفر ، فقال :
فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
، أي بسبب تكذيبهم ؛ لأن الصلة في الموصول هي سبب الحكم ،