قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ
( 66 ) .
كان الذين يردون هم الكبراء البارزون ، فيهم كشأن أعداء الأنبياء دائما ؛ لأنهم الذين يخافون على سلطانهم ، كما رأيت في الذين عاندوا نوحا وكفروا به ، وكما رأيت في الذين عاندوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم . وكما نرى في الذين عاندوا هودا أخا عاد ، وقد بادروه بالطعن في شخصه . قالوا في شخصه :
إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ
وأكدوا ذلك ب « إنّ » وباللام ، أي : إنا لنراك في خفة عقل وحمق وطيش وذلك استخفاف به ، لأنهم ضالون . ودعاهم إلى الحق الذي لا ريب فيه . وأما طعنهم في قوله ، فهو قولهم :
وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ
والظن هنا هو العلم المزعوم عندهم ، بدليل أنه أكدوا حكمهم ب « إنّ » واللام ، وكونه داخلا في زمرة الكاذبين ، وقد يطلق الظن بمعنى العلم ، وهو هنا كذلك . أجاب هو إجابة النبيين :
قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 67 ) ناداهم مدنيا مقربا لهم ، بقوله يا قوم وقد اختاره اللّه على أنه أخ لهم ، إذ قال :
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ
، ليس بي سفاهة فما خالفتكم ، ودعوتكم إلى عبادة اللّه تعالى وحده لحمق أو سفه ، وإنما لأنى أرسلت بذلك ؛ ولذا قال :
وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
أرسلني إليكم ، داعيا إلى عبادته وحده ثم قال :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي
من شرائع وأحكام فيها صلاحكم في الدنيا والآخرة ، وإني مع الرسالة
ناصِحٌ أَمِينٌ
، أي أنصحكم النصيحة بأمانة لا أغشكم ولا أخدعكم بل أدعوكم إلى سواء السبيل ، وقد توقع استغرابهم من أن يكون منهم رسول ، وقد ذكروا ذلك كما ذكروه من بعد لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فالعقلية الوثنية الجاحدة واحدة ، تختلف الأقوام ، ولا يختلف المنزع .