ابتدأ نوح كلامه مع قومه مستدنيا قلوبهم ، مقربا القول إلى نفوسهم ، وكان إرساله إليهم ، ولم يوجد ما يدل على أنه أرسل لغيرهم ، كما قامت رسالة رسول اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى الناس .
قال عليه السلام :
يا قَوْمِ
نادى بالرابطة التي تربطه بهم ، وهي أنهم قوم الذين يستنصرهم ، ويعتز بصلتهم ويريد الخير لهم ، ويجب كل كمال لهم :
اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
والجملة الأولى دعوة إلى عبادته لأنه خالق الكون ومنشئ الوجود ، والجملة الثانية تدل على انفراده وحده بالألوهية ، فهي نفى وإثبات ؛ نفى أن يكون لهم إله غير اللّه ، ولذا قال :
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
، أي ليس لكم من إله غيره سبحانه ، و « من » لاستغراق النفي ، والمعنى : ليس لكم أي إله يعبد غيره ؛ لأنه الخالق ، ولأنه ليس كمثله شئ في ذاته أو صفاته ، فهو المعبود وحده .
وقد حذرهم من عصيان اللّه تعالى ، والكفر به ، وعبادة غيره ، فقال :
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
وفي هذا يظهر عطفه عليهم داعما دعوته بخشية ما ينزل بهم ، ومع ذلك هو تهديد لهم بعاقبة إنكارهم . وقد أكد خوفه عليهم بكل مؤكدات القول ، ب « إن » ، وبقوله
عَلَيْكُمْ
، وتنكير العذاب ، و
عَظِيمٍ
، وأنه لا يدرك جهته ، ولا تدرك المشاعر الآن حقيقته . هذه هي الدعوة إلى التوحيد والترغيب فيها ، والترهيب من عصيانها ؛ فبما ذا أجاب قومه ؟ .
قال الملأ من قومه ، أي قال الكبراء والرؤساء والأشراف من قومه مستنكرين مستهترين : إنا نراك في ضلال مبين ، وكذلك نجد الكبراء في كل قرية أكابر