يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ
إخبار عن المنافقين بأنهم يحذرون أن تنزل عليهم سورة ، والحذر يكون دائما من شأن من يستر شيئا ؛ لأنه يخشى أن يكشف ، وإذا كشف ضاع الغرض الذي ستره من أجله ، والسورة الجزء من القرآن المفصول عن غيره كأنه سوّر بسور يحدّه ، والتنزيل من اللّه تعالى على نبيه الكريم ، فلا تنزل على المنافقين ، إنما تنزل على قلب محمد الأمين ، فكيف تنزل عليهم ، ولكن المراد أنها تنزل في شأنهم ، وكانت التعدية ب ( على ) للإشارة إلى أنها تنزل عليهم كالصاعقة يفاجئون بها ، وعلى ذلك يكون الضمير في
عَلَيْهِمْ
يعود إلى المنافقين ، وكذلك الضمير في
تُنَبِّئُهُمْ
، وقوله تعالى :
بِما فِي قُلُوبِهِمْ
ويصح أن يكون قوله تعالى :
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ
في معنى الأمر ، وكثيرا ما تجىء الصيغة الخبرية بمعنى الأمر ، كما في قوله تعالى :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ . . .
( 233 ) [ البقرة ] ، وكما في قوله تعالى :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ . . .
( 228 ) [ البقرة ] فإن الخبر في كل هذه الصيغ يدل على الطلب .
ولكن تخريجها بمعنى الخبر أولى ؛ لأنه يناسبه قوله تعالى في الآية
إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ
.
والزمخشري يرى أن الضمير في
عَلَيْهِمْ
، و
تُنَبِّئُهُمْ
يعود على المؤمنين والنبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن الشأن في النزول القرآني أن ينزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومن معه من المؤمنين ، وأما الضمير في قوله تعالى :
بِما فِي قُلُوبِهِمْ
فإنه يعود على المنافقين ؛ لأنهم الذين يخفون ما لا يبدون ، فالأنسب أن يعود إليهم ، والقرائن تعين عودة الضمائر على هذا النحو .
كان المنافقون يستهزءون في مجالسهم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وبالمسلمين وبالجهاد ، حتى أنهم كانوا في غزوة تبوك التي كانت ذاهبة إلى الشام يتهكمون على المؤمنين ، ويستهزءون بهم ، ولا يكتفون بالقعود عنهم ، ولقد روى أنهم كانوا يقولون مستهزءين : انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه هيهات هيهات . وكانوا يريدون ألا يطلع على ذلك أحد من المؤمنين ، ولذا قال تعالى :