تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3146

مساهمون:

ص٣١٤٦
قد كان من أمر اللّه تعالى وتوفيقه أن يرى المؤمنين المشركين عددهم قليلا ، وأن يقلل عدد المؤمنين في نظر الكافرين ، كما قال اللّه تعالى :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
( 13 ) [ آل عمران ] . وإن الحكمة في أنهم في نظر المؤمنين عدد قليل واضحة ؛ لأن اللّه تعالى ألقى في قلوب المؤمنين بأسا وقوة جعلتهم يستصغرون عددهم ، ويستهينون بقوتهم لكي يقدموا من غير وجل مع الإيمان بالله وبالنصر ، وقد رأوهم كذلك قلة ، إذ صغر أمرهم في نظرهم ، ولم يجدوا كثرتهم ، والعين قد تخطئ في العدد بالكثرة أو القلة فقد كان المشركون عددا كبيرا ، قد قدر النبي صلى اللّه عليه وسلم عددهم ، ولكن المؤمنين عندما التقوا بهم لما ألقاه اللّه تعالى في روع المؤمنين من قوة بأس وإقدام رأوهم قليلا ، لا للهمة التي بدت من المؤمنين كحمزة ، وعلى ، والزبير ، وابن رواحة ، وسعد بن معاذ ، فقد كانوا يفرون من سيوف هؤلاء حتى لم يروا في الميدان إلا عددا قليلا . وأرى اللّه تعالى جيش المؤمنين قليلا في نظر المشركين عند اللقاء ليستهينوا بهم ، ويغتروا بقوتهم فيسترخوا في القتال ، حتى إذا غطتهم قوة المؤمنين ، ورأوا فيهم شدة البأس أرادوا المقاومة بعد الاستهانة والاسترخاء فلم يجدوا ، وأخذت صفوف المسلمين المتراصة تحصدهم حصدا ، وقد كانت رؤية عدد المسلمين قلة من الكافرين حقيقة ، ولكنها سيطرت عليهم الاستهانة ، فقتلت منهم . وقوله تعالى :
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ
فيه متعلق بفعل محذوف تقديره اذكروا إذ . . . وفي ذلك تذكير بفضل اللّه في هذه المعركة ، إذ قواكم وسلطهم عليكم ، وأذهب عنكم الفزع منهم ، وثبت أقدامكم ، وهنا إشارتان بيانيتان : إحداهما - أنهم لم يكونوا قليلا ، بل كانوا عددا كثيرا ، ولكن اللّه تعالى جعل أبصارهم ترى ذلك الكثير قليلا ، فالله تعالى هو الذي يخلق الأبصار ، فهو