وقوله تعالى
وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ
مؤداه الاختلاف في أمر القتال ؛ أتقدمون عليه مع إحساسكم بالقلة وضعف العدة أم تمتنعون عنه لهذا الإحساس . وعبر عنه بالتنازع لقوة أسباب الخلاف ، فإنها في باب القتال أمر خطير .
وقد درأ اللّه تلك الأسباب عن أعينكم بما رآه النبي صلى اللّه عليه وسلم من رؤيا صادقة كان تأويلها نصركم ، ولقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يطمئن المؤمنين بعد أن تقرر القتال ، فبعد أن أخذ رأى الأنصار في القتال وقال قائلهم : « امض لما أمرك اللّه فإنا صدق في الحرب صبر عند اللقاء ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأرى مصارع القوم » « 1 » .
ويقول سبحانه :
وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ
، الاستدراك من الكلام السابق ، وسلم اللّه تعالى من الفشل والجزع والتنازع ، وكان اللقاء يوم الجمعين مع النصر المؤزر ، الذي جعل المؤمنين أعزة ، بعد أن كانوا مستضعفين يتخطفهم الناس ، ثم ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله تعالت كلماته :
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
ذات الصدور هي ما يكون في الصدور مما يدفعها إلى الإقدام ، أو يثبط فيها العزائم ، أو يلقى فيها بالخور والخوف ، فالله تعالى عليم بها ، وبما يدفع الهمم ، ويقوى القلوب ، ويمنع الفشل والنزاع ، فيطب لأدوائها بما يقيها الهلع والفزع ويطمئن القلوب ، ويبعد عنها مخاوفها ، إنه عليم حكيم .
هذا ما أودعه قلب القائد الحكيم ، وأودعه قلوب المؤمنين بتلك الرؤيا الصادقة التي أراه إياها .
وقد كان الجيشان تحت عنايته سبحانه ، ليقدم كل منهم على القتال غير خانع ولا خائف ؛ ليبدى كل واحد منهما ما عنده من قوة ، وليعلم كل منهما كيف كان نصر اللّه للمؤمن ، وخذلانه للكافر مع أنه أبدى كل ما أوتى من قوة .
فقال سبحانه :
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا
.
هامش
( 1 ) انظر البداية والنهاية : ج 4 ، ص 60 ، وسنن النسائي الكبرى ، ج 5 ، ص 186 ، وفي مجمع الزوائد ( 8799 ) وراجع رواية مسلم : الجهاد والسير - غزوة بدر ( 1779 ) .