وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم ، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم ليبعثهم الذود عن الحريم ، والغيرة على الحرب على بذل جهيداهم في القتال وألا يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه ، فيجمع ذلك قلوبهم ، ويضبط هممهم ، ويوطن نفوسهم على ألا يبرحوا موطنهم ، ولا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منته نجدتهم ، وقصارى شدتهم ، وفيه تصوير ما دبّر سبحانه من أمر وقعة بدر ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا من إعزاز دينه ، وإعلاء كلمته ، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة ، حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج ، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأموالهم حتى نفروا ليمنعوا عيرهم ، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا ، وهؤلاء بالعدوة القصوى ووراء العير يحامون عليها حتى قامت الحرب على ساق وكان ما كان ) وهذا القول من عيون ما اشتمل عليه الكشاف من دقة معنى ، وبلاغة لفظ ، وتسام لإدراك سر القرآن ، وسر الأحداث .
ولقد ختم اللّه تعالى الآية بقوله :
وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
أي أن ذلك كله تدبير من اللّه ، وهو من مقتضى علمه الشامل الذي هو علم من يسمع من غير أذن ، ومن يبصر من غير عين جارحة ؛ لأنه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير .
وقد أكد سبحانه علمه بالجملة الاسمية ، وب « إنّ » المؤكدة ، وباللام في قوله :
« لسميع » ، وبصيغة فعيل ، فسبحان من وسع كل شئ علما .
وإن اللّه تعالى يبين أنه سبحانه هو الذي جمع بين المؤمنين والمشركين في هذه المعركة فأغرى المؤمنين بالعير ، وحرك قريشا لحماية عيرها ، وهو الذي سهل اللقاء على الفريقين فأطمع المشركين في المؤمنين ، وسهل للمؤمنين اللقاء بهم ليحقق ما أراد سبحانه وهو إعزاز الحق ، وإذلال الباطل ، فقال تعالى :