وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
( 58 ) [ النساء ] ومن أن شريعة الله التي بلغها محمد صلى اللّه عليه وسلم تأمر بأداء أمانات العباد إلى أصحابها .
والناحية الثانية من أمانات العباد : حق العباد ، وديوان ظلم العباد لا يغفر إلا برد مظلمة ظلم الطاغين ، وقد أكد اللّه تعالى النهى وغلّظه بقوله تعالى :
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أي تجحدون الأمانة وأنتم تعلمون وجوبها ، أو تنكرونها ، وأن تعلمون أمرها ، وأن أداءها واجب عليكم .
ونرى من هذا أن خيانة اللّه ورسوله والناس أجمعين منهى عنها ، وأن عمومها لا يمنع أنها قد تكون اقترنت في نزولها بحوادث وقعت من بعض الصحابة .
فقد روى أن أبا لبابة كان بينه وبين بني قريظة صلات ، فلما حكّم النبي صلى اللّه عليه وسلم سعد بن معاذ فيهم أشار إليهم أبو لبابة بألا يحكّموه ، وأشار إليهم بأن حكمه الذبح ، فأحس بأنه خان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فربط نفسه في سارية المسجد ، ونذر ألا يأكل حتى يحله رسول اللّه ، فمكث تسعة أيام خر على أثرها مغشيا عليه فتاب اللّه تعالى عليه ، وحل وثاقه فقال : إنه نذر أن ينخلع من كل ماله ، إن تاب اللّه عليه ، فاكتفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بثلث ماله « 1 » .
وروى أنها نزلت عندما أرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين يخبرهم بسير النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد أمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بالكتمان ، فخان المسلمين بهذا الإخبار « 2 » .
وفي الحق إن الآية عامة لهذه الأحوال وغيرها .
وإن خيانة الأمانة سببها الهوى ، ومسيّر الهوى ودافعه فتنة المال والولد ؛ ولذا قال تعالى ذاكرا سبب الخيانة ليكون الحذر :
هامش
( 1 ) رار أحمد : مسند المكيين - حديث أبي لبابة ( 15323 ) وانظر مسند الإمام أحمد : مسند الأنصار - باقي مسند عائشة رضي اللّه عنها ( 24573 ) .
( 2 ) انظر البخاري : الجهاد والسير - الجاسوس ( 3007 ) ، ورواه مسلم : فضائل الصحابة - من فضائل أهل بدر ( 2494 ) .