تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3082

مساهمون:

ص٣٠٨٢
وإن عقاب الدنيا والتنكيل بهم فيها ، لكيلا يستشرى الشر ، ولكيلا يغروا بالمؤمنين ، ولكيلا يكون على المؤمنين حرج ، ولكي ينالوا جزاء ما فعلوا ، ولأن السابقين كان ينزل العقاب الدنيوي بهم بخاسف أو بريح صرصر عاتية ، أما أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم فإن اللّه تعالى يفنى الأشرار ، ويبقى الأخيار . كان عقاب الدنيا لذلك ، وهذا لا يمنع عقاب الآخرة ، وهو الأوفى جزاء ؛ ولذلك قال تعالى :
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ
. الإشارة إلى هذا العذاب الأليم ، وأتى بكاف الخطاب للجمع ، تأكيدا لعموم الخطاب للكافرين ، وأنهم جميعا يخاطبون بذلك حتى يتوبوا ، فإن تابوا فقد انتهوا واللّه قابل للتوب شديد العقاب . وذلك كما قلنا إشارة إلى العذاب ، والإشارة استحضار له ، و « الفاء » في قوله تعالى :
فَذُوقُوهُ
فيها إشارة إلى العذاب الدنيوي الذي « يذوقونه » وهي للإفصاح أي إذا كان هذا عذابكم فذوقوه ، والتعبير بذوقوه إشارة إلى آلامه وقد ذاقوها وأحسوها ، فقد ذاقوا النكال وذاقوا القتل ، وذاقوا الذل بعد الاستكبار ، وذاقوا عذاب الهون بما كانوا يكسبون . وإنهم مع ذلك لن يفلتوا من عذاب الآخرة ، فإذا النار لا حقة بهم ؛ ولذا قال تعالى :
وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ
وفي العبارة ما يوحى بأنه العذاب المعد لهم ، وكأن عقاب الدنيا أمر عرضى ليس هو الجزاء الحقيقي لهم ، إنما كان لمنع استمرار شرهم ، وإنهاء فسادهم ، ولمنع الفساد في الأرض .
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ
( 251 ) [ البقرة ] . ولذا أكد جزاء الآخرة ، لأنه الأصل الثابت ، فقال :
وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ
فأكده أولا - ب « أن » الدالة على التأكيد ، وثانيا بالجملة الاسمية الدالة على الاستمرار والدوام ، وثالثا - بتقديم الجار والمجرور الدال على اختصاصهم بعذاب النار ، ورابعا ببيان أن الكفر هو السبب ؛ لأنه عبر بالوصف ، وذلك دليل على أن الكفر هو السبب في عذاب النار . .