بعث اللّه - سبحانه وتعالى - بعد لوط صالح إلى مدين ، أخاهم شعيبا ، ولم يذكر في القرآن الكريم معجزته التي ثبت بها أنه رسول اللّه ، ولكن عدم ذكرها لا يدل على عدم وجودها ، فإن كل نبي بعث ومعه ما مثله آمن عليه البشر ، فما بعث نبي إلا ومعه حجته ، وإن لم يكن من حجة فلا بد أن يطالبوه بها ، وإذا كان القرآن الكريم لم يذكر معجزته فلم يذكر أنهم طالبوا بمعجزة دالة على الصدق ولكنهم جحدوا واستكبروا .
وما ذكره القرآن الكريم من رسالة شعيب - عليه السلام - يدعو على أنه دعا إلى ثلاثة أمور :
أولها - عبادة اللّه تعالى وحده ، وهي لب الرسالة ، وهي أول ما نادى به :
قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
ناداهم :
يا قَوْمِ
للإشارة إلى ما يربطهم به من نسب ، وأنهم أولى بتصديقه ، وأولى الناس بأن يصدقهم ولا يكذبهم ، وقال :
قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
أي معجزة مبينة رسالته ، وهذا دليل على أنه كانت مع هذا الرسول الأمين معجزة ملزمة تحدى بها ، وعجزوا عن أن يأتوا بمثلها .
ثانيها - أنه جاء بإصلاح اقتصادى اجتماعي ، ومظهره الوفاء بالكيل والميزان في التعامل :
فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ
ومقتضى هذا الأمر بالوفاء في الكيل والميزان في كل ما يتعاملون فيه ، ومقتضاه ثانيا ألا يبخسوا أي لا ينقصوا الناس أشياءهم أي حقوقهم ، فلا يأكلوا أموال الناس بالباطل ، ولا يرشوا الحكام ، ولا يمطلوا الدين وهم قادرون ، وأن يعطوا كل ذي حق حقه كاملا غير منقوص ، ولا ممطول ، ولا يكون تطفيف فيه على وجه ولا تصعيب في الأداء .
ثالثها - ألا يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ؛ ولذا قال - عليه السلام - فيما طلبه إلى قومه :
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ