تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 2236

مساهمون:

ص٢٢٣٦
الظلم ، والفساد الذي يعم وأولئك كثيرون ، ولذلك قال سبحانه :
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ
. هذا النص فيه عزاء للنبي صلى الله عليه وسلم من تمرد الناس على حكم العدل وحكم الحق ، وعزاء لكل داع للخير من بعده ، لكيلا ييئس داع ؛ لأنه يحسب أن الخير يسير بمنطق مستقيم في النفوس ، كما هو في ذات نفسه ، فالله سبحانه وتعالى ينبه دعاة الخير إلى أنهم لا يتوقعون الاستجابة من الأكثرين ، كما قال تعالى لنبيه :
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
( 103 ) [ يوسف ] . وقال سبحانه :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . . .
( 116 ) [ الأنعام ] . ولأن دعوة الخير لا تجد الاستجابة بيسر ، وكانت جهادا ، وكانت تعبا ، وعلى الداعي ألا تذهب نفسه حسرات إذا لم يجد الأكثرين يجيبونه ، وليعلم أن دعوة الحق لها صدى يسمع في الأجيال وإن كانت لا تسمع في زمان صاحبها . والفسق معناه في الأصل خروج اللب عن قشرته التي تحميه من الفساد ، وأطلق على الخروج عن الحق والتمرد عليه ؛ لأن الحق هو الذي يحمى النفوس ، ويكلؤها من عفن الرذيلة وفسادها ، ومؤدى الكلام أن الذين ينغضون رؤوسهم عن سماع الحق ودعوته ، وعن الخضوع لحكمه ليسوا عددا قليلا ولكنهم كثير ، وقد أكد سبحانه وتعالى كثرتهم ب « إن » ، وب « اللام » في خبرها ، والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل ، وقد استنكر سبحانه فعل الفاسقين ، ولو كانوا كثرة كاثرة ، فقال تعالت كلماته :
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
. هذا استفهام إنكاري توبيخى ، أي أنه إنكار للواقع الذي يقع من الفاسقين عن أمر ربهم ، وعن الحكم الذي يحكم به الله تعالى ، والفاء هنا هي التي تفصح عن شرط مقدر ، أي إذا كانوا يخرجون فهم يبغون حكم الجاهلية ، وقدمت الهمزة على الفاء ؛ لأن الاستفهام له الصدارة في الذكر دائما ، ولو كان استفهاما إنكاريا لاستنكار الواقع ، وسوق الكلام بشكل الاستفهام الإنكارى فيه تأكيد لمعنى ابتغائهم حكم الجاهلية ، ثمة تأكيدان آخران ، لارتضائهم الحكم الجاهلي : أولهما - تقديم