في الآيات السابقات ذكر سبحانه وتعالى كتب اليهود الأولى ، وكتب النصارى الأولى التي لم يعرها تغيير وتبديل ، وبين أن القرآن هو الحاكم المهيمن على ما جاء قبله من الكتب ، وأنه الحاكم عليها ، وأنه المتبع ولا شريعة من الله سواه ، بعد أن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن الذين يتبعون غيره خارجون عن مبدئه ، ويبغون حكم الجاهلية ، إذ فارق ما بين حكم الجاهلية وحكم العدل هو الحكم بالهوى ، وإذا كان ما مضى من آي كريمة قد تعرض لعلاقات الكتب فكان من المناسب أن يبين القرآن الكريم علاقة الجماعة الإسلامية بغيرها من الجماعات اليهودية والنصرانية ، فجاء قوله تعالى ناهيا :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ
الأولياء جمع ولى ، والولي يطلق بمعنى الودود المحب ، أو الصديق ، ومن ذلك قوله تعالى :
. . . ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
( 34 ) [ فصلت ] .
ويطلق بمعنى النصير الحافظ ، ومن ذلك قوله تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ . . .
( 257 ) [ البقرة ] .
وهو في هذا النص الكريم يجمع بين النصرة والمحبة ، والتوفيق والهداية ، ويطلق الولي بمعنى من يتولى الأمر ، ومن يكون صاحب الولاية ، كما قال تعالى :
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا . . .
( 55 ) [ المائدة ] . وما المراد من اتخاذ الأولياء المنهى عنه في هذه الآية ؛ يفسره الزمخشري بأنه الاستنصار والمودة والمحبة ، ونفسره بأن يجعلوا ولايتهم لغيرهم في الانتماء ، والنصرة ، ويقبلوا أن يكونوا هم أهل ولايتهم التي ينتمون إليها ، وينضوون تحت لوائها ، فهي مثل قوله تعالى :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
( 28 ) [ آل عمران ]
وهذا الرأي يؤيده ما جاء في سبب النزول ، وتذكره كتب التفسير وهو أن بعض الأنصار كان يتولى بعض اليهود لما كان يرى فيهم من عدد كثير ، وما عندهم