وإن الوقائع بين أيدينا معلمة شاهدة ، فمن يوم أن ترك المسلمون أمورهم لحكام يعصون ، ولم يلتفتوا إلى ما يدعوهم إليه ما أنزل الله تعالى على نبيهم صلى الله عليه وسلم ذهب حكم الإسلام ، وتداعت أركانه ، وصار المسلمون مستضعفين في الأرض ، ودينهم يدعوهم إلى أن يكونوا ذوى بأس شديد ، أشداء على غيرهم رحماء بينهم .
ومن أجل ذلك جاء التحذير من الفتنة في البعض لكيلا يستسهل ويستصغر ، فيجىء الأكبر ، وهو حل عرا الإسلام عروة ، عروة ، وقد حذر الله سبحانه من عاقبة الذين يعرضون عن أن يحكموا بما أنزل على نبيه ، فقال تعالت كلماته :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
ظاهر السياق أن الضمير في قوله تعالى :
فَإِنْ تَوَلَّوْا
إلى آخره يعود على اليهود ، ومن لف لفهم ممن يسيرون في الحكم على هواهم ، وعاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ، وعندي أن الضمير يعم كل من يخاطبهم القرآن ، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كل الأجيال ، وفي كل الأزمان ، وإن كان اليهود وغيرهم ممن عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم داخلين في حكم عموم الأمة ابتداء ، والمعنى فإن أعرضوا عن تنفيذ حكم الله تعالى ، فإنه سينزل بهم من الشدائد ما يتناسب مع جعل شرائع الله تعالى معطلة لا يقام العدل الذي تتضمنه ، بل يكون حكم الهوى ، وحسب ذلك فسادا « 1 » .
هامش
( 1 ) عن عبد الله بن عمر قال : أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن : لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم » . رواه ابن ماجة : الفتن - العقوبات ( 4019 ) .