حال السفر ، وكل حال يتحقق فيها المعنى المسوغ للترخيص في السفر ، وهو عدم وجود الكاتب الذي يكتب ، أو الأداة التي يكتب بها ، أو القرطاس الذي يكتب عليه ، ولو كان في حضر لا في سفر ؛ لأن المعنى وهو تعذر أو تعسر وجود الكاتب أو ما يكتب به يتحقق في هذه الحال كما يتحقق في السفر ، ولكن ذكر السفر ؛ لأنه مظنة لذلك التعذر ، وهو فيه كثير عند العرب لغلبة الأمية عندهم ، أما في الحضر فذلك نادر ، وإن وجد فإنه يطبق عليه حكم السفر . وبعض هؤلاء الذين قالوا إن الكتابة واجبة والشهادة عليها مثلها قالوا : إن الترخص مقيد بالسفر ، ولا ترخص بغير الكتابة في الحضر . وكأنهم بهذا يرون أن من الضروري أن يكون في كل قرية أو حي كاتب وأدوات كتابة ، وأن على أهل هذه القرية أن يهيئوا الأسباب لذلك ؛ لأنه فرض كفاية إن تركه الجميع أثموا ، وإن قام به بعضهم سقط الحرج عن كلهم .
الثانية : أن الرهن يقوم مقام الشهادة والكتابة في الاستيثاق من أداء الدين ؛ ولذلك فإن المعقول أن يكون قريبا من الدين في قيمته . وقد استنبط مالك رضي الله عنه من هذا أنه إذا اختلف الدائن والمدين في مقدار دين موثق برهن ولم يكن للدائن بينة تثبت مقداره فإنه لا توجّه اليمين إلى المدين ، بل يحكّم الرهن ؛ فما يشهد له الرهن يكون القول قوله ؛ فإن كان مثل ما يقول المدين أو أقل فالقول قول المدين ، وإن كان مثل ما يقول الدائن أو أكثر فالقول قول الدائن ، وقال أبو حنيفة والشافعي : إن اليمين في كل الأحوال على المدين ما لم تكن بينة للمدعى . وحجة مالك أن الرهن قائم مقام الشهادة والكتابة فهو شهادة وكتابة معا ؛ فما يشهد به يكون الحكم على مقتضاه .
الثالثة : قوله تعالى :
فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ
فقد أخذ بنص الآية الكريمة أبو حنيفة وأصحابه ، وقرروا أن الرهن لا يتم إلا بالقبض فإن لم يكن قبض لا يتم ، فإذا افترق العاقدان من غير قبض فالرهن غير صحيح . وقال مالك رضي الله عنه : إن الرهن يتم من غير القبض ، ولكن القبض حكم من أحكامه ، فمن حق المرتهن وهو الدائن بعد تمام عقد الرهن أن يطالب بقبض العين المرهونة ، فالقبض حكم للعقد ،