وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا
أي لا يأب الذين اشتهروا بالعدالة ووثق الناس بهم واطمأنوا إليهم عن الشهادة إذا دعوا إليها ، سواء أكانت الدعوة للحضور وتحمل الشهادة كالشهادة في التوثيق بالكتابة ، أم كانت الدعوة لأداء الشهادة عند الإنكار في مجالس القضاء ؛ وإن هذا يدل على أن الشهادة إذا تعين الشاهد فرض أداؤها ، وهذا تطبيق لقوله تعالى :
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ . . .
( 283 ) [ البقرة ] وقال بعض العلماء : إن أداء الشهادة عند الدعوة واجب ، ولكن ليست إجابة الدعوة إلى تحمل الشهادة بحضور الكتابة ونحوها فرضا .
وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ
أي لا تملوا من كتاب الدين إلى أجله بأن تحدّوه وتبينوا أجله ، سواء أكان الدين كبيرا أم كان الدين صغيرا ، فلا يذهب بكم احتقار الصغر إلى إهماله وعدم كتابته ؛ لأن الصغر والكبر لا حدود لهما ، فقد يكون صغيرا في نظر غنى مليء ، ويكون كبيرا خطيرا عند غيره ؛ ولأن إهمال الصغير يؤدى إلى جحوده ، وعندئذ تذهب الثقة ، وإذا ذهبت ساد التناحر والتنازع ؛ ولأن التهاون في الصغير قد يؤدى إلى التهاون في الكبير ؛ وإن التشديد في كتابة الصغير والكبير يدل على أن الأمر بالكتابة للوجوب كما بينا .
ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا
الإشارة هنا إلى كل ما ذكر من الأمر بالكتابة ، والنهى عن الامتناع عنها ، والأمر بالاستشهاد ، والنهى عن الامتناع عن الشهادة ، والأمر بكتابة الصغير والكبير ؛ وإن هذه الجملة السامية فيها تعليل للتشديد في الأوامر السابقة ، وقد تعللت هذه الأوامر والوصايا بثلاثة أمور :
أولها : أنها أقسط عند الله ، أي أنها أعدل في ذاتها ؛ لأنها أعدل عند الله تعالى ، وكل ما يكون أعدل في علم الله تعالى فهو الأعدل في ذاته ، وكانت الأعدل في ذاتها ؛ لأنها حماية لنفس المدين من الجحود ، وحماية لحق الدائن من الضياع ، فهي حماية للفريقين .
والأمر الثاني : أنها
أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ
أي أن الكتابة والشهادة على الكتابة أشد تقويما للشهادة والإتيان بها مقومة عادلة ثابتة لا زيف فيها ولا اضطراب ؛ والمراد