بل إنه مع الكتابة الائتمان قائم ؛ على أن قوله تعالى :
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ . . .
( 283 ) [ البقرة ] سيق في حال السفر عند تعذر الكتابة .
هذا وإن تصدير الآية الكريمة بالنداء
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
يشير إلى أمرين :
أحدهما : أنه ليس من مقتضى الإيمان أن تلزموا المساجد والصوامع ، بل إن الإيمان أن تهذبوا نفوسكم ، وترهفوا وجدانكم وتشعروا بمراقبة ربكم ، لتكون دنياكم فاضلة ، ويكون تعاملكم ، وإدارة المال بينكم على نهج ديني فاضل ، فالمال ليس طلبه ممنوعا ، بل إنه من طريقه الحلال مشروع ومطلوب .
الأمر الثاني : أن الإسلام ليست أوامره مقصورة على العبادات ، بل جاء لتنظيم المعاملات ، بل إن العبادات فيه طريق لإصلاح التعامل الإنسانى ؛ وكذلك كل الأديان السماوية ، فإنه من الجهل الادعاء بأن الأديان جاءت لتنظيم العلاقة بين العبد والرب فقط ، ولا تتدخل في العلاقة بين الإنسان والإنسان .
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ
في النص السابق أمر بالكتابة وحث عليها ، وفي هذا النص يبين الكاتب ؛ فبين أن الذي يكتب شخص يجيد الكتابة ، وعنده فقهها وعلمها ، بأن يكون على علم بشروط العقود وتوثيقها ، وما يكون من الشروط سائغا في الشرع وما يكون غير سائغ ؛ وقيّد كتابته بأن تكون بالعدل بألا يزيد ولا ينقص في الدين الذي يكتبه ، ولا يقيد أحد العاقدين بشروط شديدة ، ويحل الآخر من كل القيود والشروط ، بل يكون مراعيا العدل في كتابة أصل الدين ، ومراعيا العدل في الالتزامات بين الفريقين ، ثم إن العدل يتقاضى مع هذين أيضا أن يكون الكاتب خبيرا بمعاملات الناس ، وما يقع بينهم ، وما يمكن تنفيذه من الشروط وما لا يمكن .
وهكذا فالكاتب الذي يتولى ميزان العدل بين العاقدين يمنعهما من الشطط ، ويمنعهما من التجانف لإثم . وقد ذكر في النص السامي بوصف « كاتب » للدلالة على مهارته في الكتابة ، وكونها له كالملكة .