تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1066

مساهمون:

ص١٠٦٦
عارية الدراهم والدنانير قرض . ويقول القانونيون في مثل هذا إنه عارية استهلاك ، أي عارية لا ينتفع بالعين فيها إلا باستهلاكها والتصرف فيها . وقال المالكية وأكثر الحنابلة : إنه يصح الأجل في القرض وتجب تسميته وتعريفه ، لنص هذه الآية ؛ إذ هو دين داخل في عموم الدين في الآية الكريمة ؛ ولأن القرض لا فائدة فيه للمدين إلا إذا كان مؤجلا ، فكانت المصلحة في أن يعين الأجل ويتفق عليه بينهما دفعا للمشاحة ، ومنعا للنزاع وإن ذلك الرأي هو الأظهر وهو الذي يشمله عموم النص ، وهو الأقرب إلى عرف الناس ، والمصلحة فيه . والأمر بالكتابة هنا أهو للطلب الملزم الذي لا محيص للمكلف عنه ، أم للإرشاد أو الندب ؟ قال جمهور العلماء : إنه للندب ؛ وذلك لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ما ألزم الدائنين بكتابة ديونهم ، ولا المدينين بأن يكتبوها ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » « 1 » ولأن الله سبحانه وتعالى قال بعد ذلك :
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ . . .
( 283 ) [ البقرة ] وإن ذلك بلا ريب تسويغ لعدم الكتابة ، والاعتماد على مجرد الأمانة ، فإنه مع الكتابة لا ائتمان ، أو لا اعتماد على الأمانة . وقال الظاهرية : إن الأمر هنا للوجوب ، ومن لم يفعل كان آثما ، ذلك لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب ، ولا يخرج عن الوجوب إلى غيره إلا بدليل من النصوص ، ولم يوجد الدليل ؛ ولأن طلب الكتابة تأكد بطرق عدة ؛ منها النص على الكتابة في الصغير والكبير من الديون بقوله تعالى :
وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ
ومنها النص على أنه الأقسط والأقوم للشهادة ، والأدنى للمنع من الارتياب ؛ ومنها التعميم واستثناء صورة واحدة ، وهي حال التجارة الدائرة بين التجار ، وقصر نفى الإثم عليها دون غيرها ، فإنه إذا كان نفى الإثم مقصورا على هذه الحال فمعنى ذلك أن الإثم ثابت في غيرها ؛ وإن الائتمان لا يتنافى مع الكتابة ،
هامش
( 1 ) رواه البخاري : الصوم - قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا نكتب » ( 1780 ) ، ومسلم : الصيام - وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال ( 1806 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 1066 | محمد أبو زهرة