تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1020

مساهمون:

ص١٠٢٠
صدقة السر خير في ذاتها كصدقة الجهر ، وفوق ذلك فإن صدقة السر خير للفقير ؛ لأنها تستره بستر الله ، فلا يجتمع عليه ذل الفقر ، وذل الأخذ ، وذل الإعلان والكشف . والتعبير في نفقة السر بقوله تعالى :
وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ
فيه إشارة إلى ثلاثة أمور : أولها : أن الصدقة قسمان : قسم يعطى إلى الحكام ، وهو الصدقات المفروضة التي قدرها الشارع ؛ فهذه يجمعها أولو الأمر ومن ينوبون عنهم من ولاة وعمال ، أو جماعات يختارونها لذلك وهذه تكون معلنة بلا ريب . والقسم الثاني يعطى الفقراء مباشرة وهو الصدقات غير المفروضة ، والصدقات المفروضة غير المقدرة التي تكون على حسب حال الشخص ، كمن يرى شخصا في مخمصة وجوع ، ويخشى عليه من الموت فإن الصدقة تكون فرضا على من يعلم حاله ؛ وهذه الصدقات التي تعطى الفقراء مباشرة يكون السر فيها أولى ، بل أكاد أقول إنه يكون لازما ؛ لأن الإعلان أذى ، وقد قرر المولى العلى القدير أن الأذى يبطل الصدقة في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى . . .
( 264 ) [ البقرة ] . الأمر الثاني : الذي يفيده التعبير بقوله تعالى :
وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ :
الإشارة إلى وجوب تحرى صفة الفقر فيمن يعطى ، فلا يعطى إلا ذا حاجة ، ولا يكون من الصدقات ما يعطى لغير الفقراء ؛ لأنه يكون مروءة أو جودا ولا يكون صدقة يبتغى بها ما عند الله ، إذ يبتغى بها ما عند الناس ؛ وإن ذلك وإن كان من نظام الدنيا ليس من الصدقة في شئ . الأمر الثالث : أن الإعطاء في هذه الصدقات بوصف الفقر ، لا فرق في ذلك بين مسلم وغير مسلم ، ولا بر أو فاجر ؛ فإذا كان غير المسلم في حال مخمصة ولا يعلم حاله إلا مسلم فرض عليه أن يدفع عنه مخمصته ؛ فإن ذلك من الرحمة المفروضة لكل إنسان ؛ ولذا ورد في صحيح البخاري ومسلم أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم