تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 999

مساهمون:

ص٩٩٩
نفس وقوة إيمان ، أن يخرجه وله فيه رغبة ، بل فيه شوق ومحبة ؛ ولذا ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال في خير الصدقات : « أن تصدّق وأنت صحيح شحيح ترجو الغنى وتخشى الفقر » « 1 » أي أن تتصدق والمال حبيب إليك غير زاهد فيه ، فإنك إن صابرت نفسك ، وحملتها على التصدق في هذه الحال نلت أجرين : أجر العطاء في ذاته ، وأجر تلك المغالبة النفسية التي انتصرت فيها لله وللحق ، فأطعمت وكسوت ، وأنت تحب المال موفورا كثيرا ، فآثرت محبة الله على محبة المال ، ورضا الله على رضا الهوى ، ورضا الحق على رضا النفس ، فانتصرت في الجهاد الأكبر ، وهو جهاد النفس والهوى . هذا هو المعنى الذي اختاره جمهور العلماء لهذا النص الكريم ، وهو المعنى القويم الذي يتفق مع سياق الآية وموضوعها ، ويزكيه قوله تعالى :
مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
فإن الكسب إذا ذكر مقرونا بما يلقيه سبحانه وتعالى في الأرض ويضعه لنا من نفائس في باطن الأرض ، وزرع نضير ، وغراس مثمر ، إن هذا يدل حينئذ على أن المال كله حلال ، وأنه يقصد إلى طيبه أو رديئه فينفق منه ، فبين أن ذلك الكسب الحلال لا يتخير في الإنفاق منه إلا جيده ، فلا تجعل حصة الفقير إلا أجوده ؛ إن المال الذي كسبته رزقا حلالا : قسم هو حق الفقير والمسكين واليتيم وقد تولى الله عنهم مطالبتك به ، وقسم هو لك ولأولادك ومن تعول ، فهل يسوغ أن تجعل حق من تولى الله عنهم المطالبة أردأه وأخبثه وأرذله وأسوأه ؟ تلك إذن قسمة ضيزى ، وكيف تصنعها وتريد بها وجه الله ، والتماس عفوه ورضاه ؟ ! إن ذلك غير معقول في ذاته ، ووقوعه غير سائغ ولا مقبول . ولقد قسم سبحانه موارد المال الحلال إلى قسمين : قسم بعمل من العبد ؛ إذ عمل العبد فيه واضح بين ، واجتهاده فيه ظاهر ، وإن كان التوفيق من الله ، وهو الرزاق ذو القوة المتين ؛ وقسم هو بعمل العبد ولكن فيض الله هو الواضح البين ، والأول هو كسب العبد بالعمل والضرب في الأرض صانعا أو تاجرا ، أو مسهما بماله
هامش
( 1 ) رواه البخاري : الزكاة - فضل صدقة الصحيح الشحيح ( 1330 ) ، ومسلم ( 1713 ) .